الصفحة 23 من 42

البر:"وأما قوله: كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، فمعناه: كل شرطٍ ليس في حكم الله وقضائه، في كتابه أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -" [1] .

فهذا الفهم من ابن حزم رحمه الله لهذا الحديث، سيتسبب في إبطال العديد من الشروط التي هي على مقتضى كتاب الله جل وعلا، لكنها غير منصوصةٍ فيه، ويتبع هذا إبطال المعاملات المترتبة على هذه الشروط. ومثال ذلك: أن يبيع الرجل بيتًا، ويشترط سكناه مدةً معينةً قبل تسليمه إلى المشتري؛ أو يبيع سيارةً، ويشترط على المشتري أن يسلمه إياها في منطقةٍ متفقٍ عليها. ويدل لذلك نصوصٌ منها حديث جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جملٍ له قد أعيا، فمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فضربه فدعا له، فسار بسير ليس يسير مثله، ثم قال:"بٍعْنيه بِوَقِيَّةٍ"، قلت: لا، ثم قال:"بٍعْنيه بِوَقِيَّةٍ"، فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت [2] . فهذا جابر رضي الله عنه باع الجمل، واشترط ركوبه إلى المدينة، ووافقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.

في باب الأنكحة: المشكل هنا أكبر؛ لأنه متعلقٌ بالفروج، بحيث تُحِل الفتوى الموهومة المرأةَ المحرمة، أو تحرم المرأة الحلال؛ ومن الأمثلة على ذلك:

المثال الأول: الوهم في جواز الزواج بأكثر من أربعٍ.

ذهب قومٌ إلى أنه يجوز التزوج بالتسع؛ لأن الله تعالى أباح نكاح ثنتين بقوله:"مثنى"، ثم عطف عليه"ثلاث ورباع"بالواو، وهي للجمع، فيكون المجموع تسعًا، وقال بعضهم: يجوز ثماني عشرة امرأةً؛ لأن قوله:"مثنى"، يفيد التكرار لكونه معدولًا به عن اثنين اثنين مكررًا، وكذلك ثلاث ورباع، وأقل التكرار مرتان؛ فيكون ثماني عشرة، وحكي عن آخرين أن له أن يتزوج ما شاء من العدد غير محصورٍ؛ لأن"مثنى وثلاث ورباع"يفيد التكرار من غير حصرٍ [3] ، ومستندهم قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [4] ، حيث جعلوا الواو للعطف، وهذا وهمٌ

(1) التمهيد، لابن عبد البر، 22/ 186.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 189. وأخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1221. واللفظ للبخاري.

(3) ورد هذا في مراجع عدةٍ منها: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، للزيلعي، 2/ 112، وأيضًا: نيل الأوطار، للشوكاني، 6/ 178. وكذلك: فقه السنة، لسيد سابق، 2/ 109. وأيضًا: الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي، 9/ 6667.

ولم أقم بتحرير الأقوال وعزوها إلى أصحابها؛ لضيق المحل، وخشية الخروج عن الموضوع، وما دام الغرض هو التمثيل وليس الترجيح.

(4) سورة النساء، جزء من الآية:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت