وقد يقع ذلك بناءً على اجتهادٍ مستساغٍ كما حصل في الفتن التي وقعت بين الصحابة، ولا داعي لذكرها، والأولى الإمساك عنها، قال ابن الوزير:"وثبت أن الفتنة وقعت بين الصحابة ما لها سببٌ إلا اختلافهم في الفهم" [1] .
في باب الجنايات: هذا أيضًا من الأبواب التي يكون ثمن الوهم فيها باهضًا، لأنه قد يؤدي إلى فوات الأرواح أو الأعضاء، كأن يقضي الحاكم بالقصاص من شخصٍ، وهو بريءٌ، أو ببراءته وهو مدانٌ؛ ومن أمثلة الفهوم المخطئة للنصوص في هذا المجال:
المثال الأول: الاعتراض عن حد السرقة.
اعترض بعضهم على أن قطع يد السارق غير معقول، كما في شعرٍ نسب إلى أبي العلاء المعري حين قال: ... يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وُديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟!
فهذه زندقةٌ، لكن مناسبة سوق هذا المثال هو بيان الوهم في فهم النص الشرعي، والذي ليس خاصًا بالمجتهد، بل يقع حتى من الزنديق؛ إذ إن الفهوم المخطئة تعتبر من أهم أسباب الانحرافات العقدية.
وقد أجاب القاضي عبد الوهاب المالكي عن الاعتراض الموهوم الوارد في البيت الشعري بقوله:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري [2]
فما نسب للشاعر فيه وهمٌ في فهم النصوص الشرعية الصريحة الصحيحة التي أثبتت حد السرقة،"وبيان ذلك أن الدية لو كانت ربع دينارٍ لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينارٍ لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين" [3] ، ولذلك رد القاضي بأنها لما كانت أمينةً كانت عزيزةً، ولما صارت خائنةً صارت ذليلةً.
المثال الثاني: قتل المسلم بالكافر.
ذكر أبو عبيد بسندٍ صحيحٍ عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه الحنفية، فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر: إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات، فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها، المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد على أني رجعت عن هذا [4] ؛ لأن الجمهور على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأما أصحاب الرأي فقالوا: يقتل المسلم بالكافر،
(1) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق، لابن الوزير، ص: 142 - 143.
(2) فيض الباري على صحيح البخاري، لمحمد أنور شاه، 5/ 112.
(3) فتح الباري لابن حجر، مرجع سابق، 12/ 98.
(4) المرجع السابق، 12/ 262.