المسجد، وإنما هو بالراء،"احتجر"في المسجد بخصفٍ أو حصيرٍ حجرةً يصلي فيها، فصحفه ابن لهيعة، لكونه أخذه من كتابٍ بغير سماع.
ويروى عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال:"لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين يشققون الخُطب تشقيق الشعر"، وهناك من قرأها:"نهى عن تشقيق الحَطَب"، فقال بعض الملاحين: يا قوم! فكيف نعمل والحاجة ماسةٌ؛ لأنه فهم بسبب التصحيف أن المنهي عنه هو تشقيق الحطب، والصواب هو تشقيق الخُطَب.
وحكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث:"يا أبا عمير، ما فعل النغير"، ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول:"يا أبا عمير ما فعل البعير"! فافتضح عندهم، وأرَّخوها عنه!! وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد: أنه أول يوم إجلاسه أورد حديث:"صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين"، فقال:"كنارٍ في غلسٍ"!، فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه تصحف عليه"كتاب في عليين"!!.
ومن ذلك حديث أنس:"ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّة"، قال فيه شعبة"ذُرَة"بالضم والتخفيف، ونسب فيه إلى التصحيف.
وذكر غلامٌ لحماد بن زيد أنه سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخبز، فتبسم حماد، وقال: يا بني، إذا نهى عن الخبز، فمن أي شيءٍ يعيش الناس؟! وإنما هو الْخِبْر [1] .
وظاهرٌ من خلال هذه النماذج، أن معنى الأحاديث، وفهمها، قد انقلب رأسًا على عقبٍ بسبب التصحيف.
الْكتاب والسنة قِسْمَانِ [2] : قسمٌ مُحكمٌ تَأْوِيله بتنزيله يفهم المُرَاد مِنْهُ بِظَاهِرِهِ وذاته، وَقسم لَا يُوقف على مَعْنَاهُ إِلَّا بِالرَّدِّ إِلَى الْمُحكم، وانتزاع وَجه تَأْوِيله مِنْهُ حسب قواعد الشرع، وعرف أهل اللغة.
ويقع الإشكال لغموضٍ في المعنى، والمشكل اسمٌ لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجهٍ لا يعرف المراد إلا بدليلٍ يتميز به من بين سائر الأشكال، وقال القاضي الإمام: هو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعاني لدقة المعنى في نفسه [3] ، فلا
(1) قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يَقُولُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْخِبْرِ فَيَقُولُ: مَا كُنَّا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى أَخْبَرَنَا عَامَ الْأَوَّلِ ابْنُ خَدِيجٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْخِبْرِ، وَافَقَهُمَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، سنن النسائي، مرجع سابق، 7/ 48.
(2) مشكل الحديث وبيانه، لابن فورك، ص: 40 - 43.
(3) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، لعبد العزيز البخاري، 1/ 52.