الفرع الخامس: الأخطاء الأصولية.
المقصود هنا هو الأخطاء التي سببها مباحث أصوليةٌ، أي مردها إلى سوء تطبيق القواعد الأصولية في فهم النصوص الشرعية؛"مثل أن يعتقد المجتهد أن العام المخصوص ليس بحجةٍ، أو أن العموم الوارد على سببٍ، مقصورٌ على سببه، فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم، ويمكن أن يعتقد أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادةً، مثل معارضة العام بخاص أو المطلق بالمقيد، فإن تعارض دلالات الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، بحرٌ خضمٌ" [1] .
فلا يكفي لفهم النصوص مجرد الفهم الظاهر والمعرفة باللغة، بل يجب على الفقيه أن يكون له زادٌ مهم جدًا من أصول الفقه، يتمكن به من فهم دلالات الألفاظ، والترجيح بين النصوص أو الجمع بينها، كما قال ابن رجب رحمه الله:"وأكثر الأحاديث فيها"وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورا"، وليس هذا من باب المطلق والمقيد، كما ظنه بعضهم، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، ولا يقتضي ذلك التخصيص إلا عند من يرى التخصيص بالمفهوم، ويرى أن للقب مفهومًا معتبرًا" [2] .
يبذل المجتهد وسعه لتحصيل حكم الله في المسألة، لكن إذا وهِم، فإن اجتهاده سيترتب عليه حكمٌ مغلوطٌ؛ وتختلف تجليات هذا الغلط بحسب المسألة: فقد يفضي إلى عبادةٍ فاسدةٍ، أو إلى نكاحٍ محرمٍ، أو إلى بيعٍ باطلٍ، أو إلى دمٍّ مُستحَلٍّ أو غير ذلك، لأن الخطأ المتعلق بالدين ومعانيه، وبالشريعة وأحكامها، وبحقوق الله وبحقوق العباد، قد تُصاب فيه دماءٌ، وفروجٌ، وأعراضٌ، وأموالٌ، بغير حقٍّ [3] ؛ وتبيانًا للفكرة، سآتي بنماذج مقسمةٍ على بعض أبواب الفقه كما يلي:
(1) ملخص من: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، مرجع سابق، ص 29 - 30.
(2) شرح علل الترمذي، لابن رجب، ص 432 - 433. ولا أقصد هنا، الكلام عن الحادثة التي ذكرها ابن رجب، فقد يكون مخالفه غير مخطئ، وإنما أردت التمثيل فقط على اهتمام الفقهاء بالمباحث الأصولية، وعلى أن الخطأ فيها مرادف للخطأ في الحكم الفقهي كما حكى ابن رجب في هذا النص حسب نظره.
(3) الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة، لأحمد الريسوني ومحمد جمال باروت، ص.13