الصفحة 14 من 42

بِدُخَانٍ مُبِينٍ [1] ، فقال ابن صياد: هو الدخ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اخسأ فلن تعدو قدرك" [2] ، وذكرَ أبو موسى المدينيُّ: أنَّ السِّرَّ في كونِهِ خَبَأَ لَهُ الدُّخانَ، أنَّ عيسى - صلى الله عليه وسلم - يَقْتُلُهُ بِجَبَلِ الدُّخَانِ، فهذا هو الصوابُ في تفسيرِ الدُّخِّ هنا، وقد فسَّرَهُ غيرُ واحدٍ على غيرِ ذلكَ، فأخطأَ، ومنهم الحاكمُ في"علوم الحديث"، قالَ: سألتُ الأدباءَ عن تفسيرِ الدُّخِّ، قالَ: يَدُخُّها، ويَزُخُّها، بمعنى واحدٍ، الدُّخُّ والزَّخُّ، قالَ: والمعنى الذي أشارَ إليه ابنُ صَيَّادٍ خَذَلَهُ اللهُ فيهِ مفهومٌ، ثُمَّ أنشدَ لعليِّ ابنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه: طُوْبَى لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مَزَخَّهْ ... يَزُخُّهَا ثُمَّ يَنَامُ الفَخَّهْ

فالْمَزَخَّةُ هي المرأةُ، ومعنى يَزُخُّها: يجامِعُها، والفَخَّةُ أنْ ينامَ فينفخَ في نومِهِ. ومِمَّنْ فسَّرَهُ على غيرِ الصوابِ أيضًا أبو سليمانَ الخطَّابيُّ فرجَّحَ أَنَّ الدُّخَّ: نَبْتٌ موجودٌ بينَ النخيلِ، وهو أيضًا غيرُ مَرْضِيٍّ [3] .

ومناسبة ذكر هذا المثال أن الخطأ في فهم لفظةٍ من قبيل الغريب، ترتب عليه خطأٌ في فهم المعنى، وقد قال أحمد:"سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالظن فأُخطئ"، وقال شعبة:"خذوها عن الأصمعي فإنه أعلم بهذا منا" [4] ، يريد أن يقول إن الألفاظ الغريبة يجب أن يرجع فيها إلى أهل اللغة حتى لا يفهم النص الشرعي على خلاف ما وضع له. ولذلك قال ابن قتيبة في مقدمة كتابه غريب القرآن:"وكتابنا هذا مستنبطٌ من كتب المفسرين، وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلَّفنا في شيءٍ منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أَوْلَى الأقاويلِ في اللغة، وأشْبَهَهَا بقصةِ الآية، ونَبَذْنَا مُنكَرَ التأويل، ومَنحولَ التفسير" [5] ، وذكر نماذج ثم قال:"مع أشباهٍ لهذا كثيرةٍ، لا ندري: أَمِن جهة المفسرين لها وَقَع الغلطُ؟ أو من جهة النَقَلة؟" [6] .

فحتى لا يقع الوهم في فهم النص بسبب الغريب يجب ضبط الألفاظ الغريبة في كتب اللغة، وشروح الحديث، مع الاشتغال بفقه الحديث، وكيفية الاستنباط.

(1) سورة الدخان، جزء من الآية:10.

(2) الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، لإبراهيم الأبناسي، 2/ 452. شرح التبصرة والتذكرة، للعراقي، 2/ 88.

(3) شرح التبصرة والتذكرة ألفية العراقي، مرجع سابق، 2/ 89 - 90.

(4) فتح المغيث، مرجع سابق، 4/ 32.

(5) غريب القرآن، لابن قتيبة، ص 4.

(6) المرجع السابق، ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت