امتن الله سبحانه على نبيه سليمان بأنّ فهْمَه في قضيةٍ معينةٍ، كان أرجحَ من فهم أبيه نبي الله داود عليهما السلام، ووعدهما جل وعلا الحسنى معًا؛ والعلماء ورثة الأنبياء، والمجتهدون منهم متفاوتون في الأفهام مثلما تفاوت سليمان وداود، قال ابن القيم:"قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله، ورسوله، لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساويةً لتساوت أقدام العلماء في العلم" [1] ، فهم لبشريتهم معرضون للوهم، والخطأ، ومأجورون وإن أخطأوا، إذا ما بذلوا الوسع وتوفرت فيهم الشروط.
وللوهم في فهم النصوص الشرعية أسبابٌ، وآثارٌ، تتجلى في مستوياتٍ عدةٍ، إنْ على مستوى العقائد، أو العبادات، أو المعاملات، أو غيرها؛ فينجم عن ذلك خلافاتٌ بين العلماء تظهر تجلياتها في الواقع المعيش، وقد يستثمرها بعض الجهال في إراقة الدماء، أو في الاستيلاء على الأموال، أو في استحلال الفروج. مما دفع بي إلى اختيار هذا البحث؛ للكشف عن أسباب هذه الأوهام، وتجلياتها، ولرفع الملام عن الأئمة المجتهدين فيما وقعوا فيه من أوهامٍ إثر اجتهادٍ مستساغٍ.
وليس المقصود من هذا البحث الدعوةَ إلى رفع الوهم، أو إلى القضاء على الخطأ، فهذا لا يقول به عاقلٌ، وهذه سنة الله في خلقه؛ وإنما هي بادرةٌ إلى التقليل من الوهم؛ رغبةً في تضييق مساحة الخلاف.
وتتجلى مشكلة البحث في بيان مدى إمكانية الأوهام في الفهوم، وما يترتب على ذلك من أثرٍ على الاستنباط من النصوص الشرعية وتنزيلها، فهل يمكن حصول الوهم في فهم النصوص الشرعية؟ وما أسباب ذلك وآثاره؟ وهل يمكن تلافيه أو التقليل منه؟.
وأما صعوبات البحث فتتجلى في تنقيح الأوهام وتحريرها، لأن ثمة أوهامًا ليس بالضرورة أن يُجمَع عليها، بل نجد أن ما يعتبره أحدهم وهمًا، هو عين الصواب عند مخالفه؛ مع ضرورة رفع الملام عن المجتهدين الواهمين والتماس العذر لهم. ولذلك سأمثل على الأوهام، بما يقع فيه المجتهد، أو بما يعرض للعامي، لأن أصل الوهم متحصلٌ فيهما معًا، ويفترقان في أن المجتهد هو المعني والمعتبر في الاستنباط، وفي معرفة الأحكام الشرعية.
ويهدف هذا البحث إلى ما يلي:
• بيان المقصود بالوهم في فهم النصوص الشرعية.
• رفع الملام عن المجتهدين الذين وقعوا في الوهم.
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، 1/ 250.