دور المفسِّر يجب أن يقتصر على النظر في ألفاظ النص القانوني وأن لا يصير إلى مصادرَ أخرى، كالظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي احتفَّت بوضع القانون إلا أن يضطر إلى ذلك لرفع غموضٍ في النَّص مثلا [1] . وهؤلاء أشبه ما يكونون بالظَّاهرية. والمدرسة الأخرى: هي المدرسة التاريخية الاجتماعية، وهي تنظر إلى"روح القانون"أكثر من لفظه، وتنادي عند تفسيره باعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسِّياسية حتى ما كان منها حادثا وقت التفسير، ولا ترى بأسا في الخروج عن ظاهر القانون بسبب العواقب الاجتماعية غير المرغوبة التي قد تلزم من تنفيذه [2] . وهؤلاء أشبه ما يكونون بأصحاب المعاني.
وإلى اليوم يوجد هذا الانقسام بين القانونيين والقضاة، فَهُم، في الولايات المتَّحدة الأمريكية مثلا، على فريقين:"الْمُسْتَمْسِكون بالأصول" (Originalists) ، وهم الذين يُحَتِّمون النظر إلى إرادة المشرِّع ولفظه وقتَ وضع الدستور أو القانون. و"غير المستمسكين بالأُصول" (Non-Originalists) ، وهم الذين يرون القانون والدستور كائِنا حيًَّا ينبغي أن يتغيَّر تفسيرُه ويتطوَّر بحسب مُعْطيات المكان والزمان والظُّروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية. و"المستمسِكون بالأصول"بدورهم ينقسمون إلى: نَصِّيِّين (Textualists) ، ومَقاصِديِّين (Intentionalists) . النَّصِّيُّون ينظرون بالدرجة الأولى إلى ألفاظ نَصِّ المادَّة القانونية. والمقاصديُّون يُغَلِّبون النظر إلى هدف القانون ونِيَّةِ المشرع منه وقت تشريعه [3] .
ولعلَّ ميل المرء إلى اللفظ أو إلى المعنى يعود ـ فيما يعود إليه ـ إلى أسبابٍ نفسيَّةٍ راسِخةٍ في طبعه؛ إذِ الْمُلاحظُ أَنَّ الميَّالَ إلى الألفاظ عادةً ما يتَّصف بصفاتٍ نفسيةٍ أخرى مصاحبة، فهو كثيرا ما يكون ذا شخصيةٍ محافِظةٍ صارمة مُحتاطةٍ، هيَّابةٍ من المغامرة والمبادرة، يُؤثر السَّلامة في الاتِّباع على المخاطَرة بالاختراع. وأمَّا الميَّال إلى المعنى فعادةً ما يكون ذا شخصيةٍ أكثرَ انفتاحًا، وأرحبَ
(1) يُنظر: المدخل للعلوم القانونية (النظرية العامة) لحبيب إبراهيم الخليلي: ص 141.ويُنظر أيضا:
(2) المرجع السابق.
(3) يُنظر: مقال بعنوان نظريات التفسير الدستوري، منشور على موقع كلية القانون في جامعة مسوري-كِنساس سِتي: