الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
فمن الثابت الذي لا يَحُوجُ إلى برهان، والجَليِّ الذي لا يعوزه بيان، أنَّ النَّص، بشقَّيه: الكتاب والسُّنَّة، كان الْمِحْوَرَ الذي دار حولَه، والأُسَّ الذي رُكِّبَ عليه، والأرضَ الخِصْبَ التي نما فيها وعليها وحولها، مُعْظمُ النَتَاج العِلْمي للمُسلمين على مرِّ العُصور.
وإذا تفاوتَتِ العلومُ الإسلامية في درجة انبنائها على النَّص، وخدمتِها إِيَّاه، وقُربِها منه، وتعامُلِها معه، فإنَّ علم الفقه، الذي اضْطَّلع أربابُه بمهمَّة استنباط الأحكام العَمَليَّة التشريعِيَّة، كان من أكثر العلوم الإسلامية اختِصاصًا بالنَّص، وقُربا منه، وتفاعُلًا معه، فهما واستنباطا وتطبيقا.
وبسبب التَّفَاوُتِ الثبوتي للنّص، يقينا وظنا، وصِحَّةً وحُسْنا، والتَّفاوتِ الدَّلالي لألفاظه وُضوحًا وخفاءً، وتفاوُتِ النَّاظِرين فيه في القرائح: قُوَّةً وضَعْفًا، وفي الطَّبائع: إقدامًا في مَظانِّ الزَّلل وإحجاما، وتَشَوُّفًا إلى ما بَطَن واقتِناعًا بما ظَهَر، كان من غير الْمُسْتَهجَن أن تتعدَّد طُرُقُ أهل الفقه في فهم النَّص وتفسيره واقتِباس الأحكام منه.
ولا يصعُب على الدَّارس في هذا المجال أن يُبصِرَ منهجين مُتَمايِزَين في طُرُق الفهم والتفسير:
أَحدُهما: يميل أصحابُه إلى التَّمَسُّك بظاهر ألفاظ النص من غير اسْترسال للفكر والعقل والرأي في دلالته، ولا فيما يتوخَّاه وراءَ ظواهر هذه الألفاظ من مقصدٍ بيانيٍّ أو تشريعي، أي أنَّهم يحتَكِمون، في غالب أحوالهم، إلى المقتضى اللغويِّ الصِّرْف لألفاظ النَّص الذي يَتَحَدَّد بمعانيها الجُمْهوريَّة القريبة المتبادَرَة منها في عُرف التَّخَاطُب.
والمنهجُ الآخر: يلتفتُ أصحابُه إلى ما اشتَمل عليه اللَّفظ من معنىً وحكمة، ورُبَّما أدَّاهم ذلك، في كثير من الأحيان، إلى تعميمِ حكم النص، وإن كان اللَّفظ الْمُفيدُ له خاصَّا بالمِقياس اللغوي، أو إلى تخصيصِهِ، وإن كان اللَّفظ عامَّا، أو صَرْفِ