الصفحة 65 من 80

المطلب السادس: أهل الألفاظ وأهل المعاني في العصر الحديث:

قد تتساءل، عزيزي القارئ، لماذا انتقل البحثُ من عصر الأئمة إلى العصر الحديث، قافِزًا عن عصر أتباع المذاهب الفقهية، رغمَ طول هذا العَصر.

والجواب هو أنَّ التقليد طغى على النُّزوع الذاتي نحو الألفاظ أو المعاني عند الفقهاء في عصور التقليد، بحيث لم يكن من السَّهل، في ظلِّ ضُمور الاستقلال الفقهي، الوقوفُ على الْمَنازع الفقهية عند أتباع الأئمة من المقلِّدين. ومع هذا ففي كلِّ مذهب، وفي نطاقٍ محدود، ظهرت اتجاهاتٌ فقهية قائمة على النُّزوع الفطري البَشري إلى المعاني أو الألفاظ.

وقد ظهر هذا واضحا في مذهب الإمام مالك، حتى إنَّ أصحابه انقسموا فريقين: أهل رأي وأهل حديث. فعن يحيى بن يحيى، قال: «كنت آتي ابنَ القاسم فيقول لي: من أين؟ فأقول: من عند ابن وهب فيقول: الله الله اتق الله؛ فإن أكثر هذه الأحاديث ليس عليها العمل. قال: ثم آتي ابنَ وهبٍ فيقول: من أين؟ فأقول: من عند ابن القاسم، فيقول: اتق الله؛ فإنَّ أكثر هذه المسائل رأي» [1] .

وعن الحارث بن أسد قال: «لما أردنا وَداع مالك دخلتُ عليه أنا وابن القاسم وابن وهب، فقال له ابن وهب: أوصنا. فقال: اتق الله وانظر عمَّن تنقُل. وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت. وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن. قال الحارث: لم يرني أهلًا للعلم. وقال محمد بن حارث: رأيتُ في بعض الروايات أنَّه كان يُستفتى فلا يُفتي، ويقول: لم يرني مالك أهلًا للعلم» [2] .

وفي المذهب الشافعي يبرز المزنيُّ نزَّاعا إلى المعاني القِياسية بخلاف الربيع الذي كان راويةً للحديث وللمذهب. قال الربيع: «كنتُ أنا، والمزني، والبُويطي عند الشافعي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث. وقال للمُزني: هذا لو ناظره الشيطان، قَطَعَه وجَدَلَه. وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد» [3] .

وقد كان لإمام الحرمين ومِن بعدِه الغزالي، ومن ثمَّ العز بن عبد السلام، وهم من أهل المعاني بامتياز، أثرٌ كبير في تخفيف حِدَّة النزعة الظاهرية في فقه المذهب وأصوله.

(1) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (2/ 1111) .

(2) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: (3/ 322) .

(3) سير أعلام النبلاء للذهبي: (10/ 40) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت