ثمَّ ربما كان منهم من هو في فطرته لفظي فلمَّا كَثُر تلقيه عن أهل المعاني من مشايخه كعمر بن الخطاب وعائشة وابن عباس، رضي الله عنهم، اعتدل وتوسَّط، وكان منهم من هو في فطرته معنوي، فلمَّا كَثُر تلقيه عن أهل الألفاظ من مشايخه كابن عمر وأبي هريرة، رضي الله عنهم، اعتدل وتوسَّط. ورغم هذا فَمِن التابعين من ظهر جليًَّا تعمُّقُهُ في الرأي والمعنى، كربيعةَ وإبراهيم النَّخَعي وأصحابه، ومنهم من ظهر تعمُّقه في اتباع الأثر والإعراض عن الرأي، كالشعبي وابن سيرين والقاسم وسالم.
وهذه مجموعة من الآثار التي تشير إلى شيءٍ من ذلك:
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «كان إبراهيمُ صاحِبَ قياس، والشَّعبي صاحب آثار» [1] . وعن ابن عون، قال: «كان الشَّعبي إذا جاءه شيءٌ اتَّقاه، وكان إبراهيمُ يقول ويقول» [2] . وقال: «كان الشَّعبي مُنبسِطا، وكان إبراهيم منقبضًا، فإذا وقعت الفتوى، انقبض الشَّعبي، وانبسطَ إبراهيم» [3] . وعن حمّاد بن أبي سليمان قال: «ما رأيت أحدًا قطُّ كان أحضرَ مقياسا من إبراهيم» [4] . وقال إبراهيم النَّخَعي: «ما كلُّ شيءٍ نُسأل عنه نحفظه، ولكنَّا نعرف الشيء بالشيء ونقيس الشيء بالشيء» [5] ، وقال: «إني لأسمع الحديث وأقيس عليه مائة شيء» [6] . وعن داود الأودي قال: قال الشعبي: «أُحدِّثُك ثلاثةَ أحاديث لها شأن؟ قلتُ: بلى. قال: إذا سَألتَ عن مسألةٍ فَأُجبتَ فيها فلا تُتْبع مسألتك"أرأيت"؛ فإن الله تعالى قال في كتابه {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43] حتى فرغ من الآية. وحديثٌ آخر أحدِّثك به: إذا سُئِلت عن شيء فلا تقس بشيءٍ فتُحرِّم حلالا وتُحلَّ حراما. والثالثةُ لها شأن: إذا سُئِلت عمَّا لا علم لك به فقل: لا علم لي، وأنا شريكُك» [7] . وعن الشعبي قال: «إيَّاكم والمقايَسة فَوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لَتُحِلُّنَّ
(1) سير أعلام النبلاء للذهبي: (4/ 303) .
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) العلل لأحمد: (1/ 253) .
(5) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (2/ 872) .
(6) المرجع السابق.
(7) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: (4/ 319) .