الصفحة 36 من 80

وأفعالِه، اجتهاداتُ الصحابة، رضوان الله عليهم، سواءٌ صدروا فيها عن اتِّباعٍ للظاهر أو المعنى.

وبالتأمُّل في سِيَر عدد من علمائهم وبعضِ ما أُثر عنهم من آراءٍ فقهيَّة، يظهر لنا في أهل المدينة عروةُ بن الزبير وسعيد بن المسيب أميلَ إلى المعاني، وسالم بن عبد الله والقاسمُ بن محمّد أميلَ إلى الألفاظ، وفي الطبقة التي تليهم كان ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن مشهورا باتباع المعاني حتى لُقِّب بربيعة الرأي، وفي مقابله كان أبو الزناد والزهري وهما أكثر ميلًا إلى الألفاظ. وفي أهل الكوفة يظهر لنا في جانب أهل الألفاظ عامر بن شراحيل الشَّعبي، وفي جانب أهل المعاني إبراهيم النَّخَعي وأصحابه، لا سيما الحَكَمَ بن عُتيبة وحمَّاد بن أبي سليمان شيخي أبي حنيفة. وفي أهل البصرة محمد بن سيرين في جانب أهل الألفاظ، والحسن البصري في جانب أهل المعاني. رحم الله الجميع.

وفي هذا العهد أخذت تتعمَّق الخلافات الفقهية بين أصحاب هذه المناهج، ولم يكن ذلك بسبب انقسامهم الفطريِّ بين أهل لفظ وأهل معنى فحسب، بل ظهر سببٌ جديدٌ للخلاف لم يكن في عهد الصحابة، رضوان الله عليهم، وهو تقليدُ الصحابة أنفسهم، فعن أيوبٍ السِّخْتياني قال: «دعا عمرُ بن عبد العزيز سالمَ بن عبد الله وعروةَ بن الزبير فسألهما عن المسافر في رمضان: أيصوم أم يفطر؟ فقال عروة: إني إنما أخذتُ عن عائشة، وقال سالم: وإنما أخذتُ عن عبد الله بن عمر قال: فلمَّا امتريا وارتفعت أصواتُهما، قال عمر: اللهم اغفر، اللهم اغفر، أصومُه في اليُسر، وأُفطِره في العُسر» [1] . فعروةُ كان أخصَّ بخالته عائشة، رضي الله عنها، وسالمٌ كان أخصَّ بأبيه ابن عمر، رضي الله عنهما، فقلَّد كلٌّ منهما من كان به أخص.

وعليه، فإنه ليس من السَّهل فرزُ علماء هذا العصر إلى أهل لفظ وأهل معنىً بمجرَّد النظر إلى ما ورد عنهم من فتاوى ومسائل - كما هو الحال بالنِّسبة للصَّحابة، رضوان الله عليهم - لأنَّ اللفظيَّ فيهم بالفِطرة والنشأة قد يُفتي بالمعاني تقليدا لشيوخه المعنويين لا استقلالا، وكذلك المعنويَّ فيهم بالفطرة والنشأة قد يُفتي بالألفاظ تقليدا لشيخوخه اللفظيين لا استقلالا.

(1) أخرجه عبد الرزاق (المصنف: 2/ 568) ، وسنده متصل رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت