«سألتُ القاسم بن محمد عن استلام الركن فقال: استلِمْهُ وزاحمْ عليه يا ابن أخي؛ فقد رأيتُ ابنَ عمر يزاحم عليه حتى يدمى» [1] . وقال يحيى بن سعيد: «كان القاسم لا يكاد يعيب على أحد، فتكلَّم ربيعةُ يوما، فأكثر، فلمَّا قام القاسم، قال، وهو متكئ عَليَّ: لا أبا لغيرك، أتراهم كانوا غافلين عمَّا يقول صاحبُنا؟! يعني: عمَّا يقول ربيعة برأيه» [2] . وعن القاسم: قال: «كانت عائشة قد استقلَّت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلمَّ جرا إلى أن ماتت يرحمها الله، وكنت ملازمًا لها مع بِرِّها بي، وكنت أجالس البحر ابنَ عباس، وقد جلستُ مع أبي هريرة، وابن عمر فأكثرت، فكان هناك، يعني ابنَ عمر، ورعٌ وعلمٌ جمٌّ ووقوفٌ عمَّا لا علم له به» [3] .
لقد شاع في كتب تاريخ الفقه الإسلامي تقسيم المدارس الاجتهادية في الفقه الإسلامي في عهد التابعين وتابعيهم من أئمة الاجتهاد إلى أهل الرأي، ومقرُّهم العراق، وأهل الحديث، ومقرُّهم الحجاز، متأثِّرين في ذلك بقول ابن خُلدون: «إنَّ الصّحابة كلَّهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدّين يؤخذ عن جميعهم. وإنّما كان ذلك مختصّا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومُحكمه ... وبقِي الأمر كذلك صَدْرَ الملّة، ثم عَظُمت أمصار الإسلام وذهبت الأُمِّية من العرب بممارسة الكتاب، وتَمَكُّنِ الاستنباط وكَمُل الفقه وأصبح صِناعةً وعِلما فبُدِّلوا باسم الفقهاء والعلماء من القُرَّاء، وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث، وهم أهل الحجاز، وكان الحديث قليلًا في أهل العراق لما قدَّمناه فاستكثروا من القياس ومَهروا فيه؛ فلذلك قيل: أهل الرأي، ومُقدَّم جماعتهم الذي استقرَّ المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة، وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس، والشافعيُّ من بعد» [4] .
وقد وَصَفَ غيرُ واحد أهلَ الحديث بما حاصله أنهم: «عُنوا بحفظ الأحاديث وفتاوى الصحابة، واتجهوا في تشريعهم إلى فهم هذه الآثار حسبما تدلُّ عليه عبارتُها، وتطبيقُها على ما يحدث من الحوادث غير باحثين في علل الأحكام
(1) المرجع السابق.
(2) سير أعلام النبلاء للذهبي: (5/ 59) .
(3) الطَّبقات الكبرى لابن سعد (2/ 375) .
(4) تاريخ ابن خلدون: (1/ 563) .