الصفحة 42 من 80

ومبادئها؛ فإذا وجدوا ما فهموه من النص لا يتفق مع ما يقتضيه العقل لم يبالوا بهذا، وقالوا: هو النص. وكانوا من أجل هذا يتحرَّجون من الاجتهاد بالرأي، ولا يلجأون إليه إلا عند الضرورة القصوى» [1] .

أمَّا أهل الرأي فقد وُصِفوا بأنهم: «أمعنوا النظر في مقاصد الشارع، وفي الأُسس التي بُني عليها التشريع، فاقتنعوا بأن الأحكام الشرعية معقولٌ معناها، ومقصودٌ بها تحقيق مصالح الناس، وبأنها تعتمد على مبادئ واحدة، وترمي إلى غاية واحدة، وهي لهذا لا بد أن تكون مُتَّسِقة ولا تعارض ولا تباين بين نصوصها وأحكامها، وعلى هذا الأساس يفهمون النصوص، ويرجِّحون نصا على نص، ويستنبطون فيما لا نصَّ فيه، ولو أدَّى استنباطُهم، على هذا الأساس، إلى صرف نصٍّ عن ظاهره، أو ترجيح نص على آخر أقوى منه رواية، حسب الظاهر، وهُم من أجل هذا لا يتحرَّجون من السَّعة في الاجتهاد بالرأي، ويجعلون له مجالًا في أكثر بحوثهم التشريعية» [2] .

وقد تعرَّض هذا التقسيم والتفريق بين مدرسة العراق ومدرسة الحجاز في عهد التابعين، على أساس كثرة الرأي أو الحديث أو اختلاف مناهج الاستدلال أو البيئة الجغرافية، إلى نقدٍ قوي من قِبَل عدد من الباحثين. فرأى عبد المجيد محمود أنَّ «إطلاق مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة أو بعبارة أرحب: مدرسة العراق ومدرسة الحجاز على هاتين الطائفتين المتميزتين في عصر التابعين أصدق تاريخا وأدق تعبيرا، وأولى بالمنهج العلمي من أن يُطلق عليهما أهل الحديث وأهل الرأي؛ لأن الاختلاف بينهما لم يكن اختلافا في مصادر التشريع أو المنهج بقدر ما كان اختلافا في التلقين وتنوُّعا في الأساتذة، وتباينًا في البيئة والعُرف، ولذا لم تُعرف هذه العبارةُ في عصر التابعين» [3] .

وكذلك خلص حميدان الحميدان في بحث مُوَسَّع في الموضوع إلى أنه «لا صِحَّة مطلقا لإطلاق مصطلحي أهل الحديث وأهل الرأي على علماء التابعين، وبقدْرٍ مساوٍ فإنه لا يمكن القول ... بأنَّ علماء التابعين انقسموا إلى فريقين في مناهجهم الاجتهادية، بل إن الاستنتاج الواضح من المناقشة يُبَيِّن أنَّ المنهج الاجتهادي الذي اتبعه علماء التابعين في كلا القُطرين كان واحدا ... إلا أنه يمكن القول بأن هذا

(1) علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع لعبد الوهاب خلاف: ص 251.

(2) المرجع السابق.

(3) الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث لعبد المجيد محمود عبد المجيد: ص 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت