كان لنا أن نستنتج أن الصِّراع بينهما كان في غير العراق والحجاز من أمصار المسلمين، بدليل أننا رأينا مِصْرَ صورةً من صور النزاع بين العقليين والنَّصِّيين» [1] .
وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء: «إنَّ التفسير الجغرافي لنشأة مدرستي الرأي والحديث وتركُّزِهما لا ينطبق على مذهب من المذاهب الأربعة ... ويبدو أنَّ التفسير الأقرب للواقع والأبعد عن التكلُّف هو أنَّ اختلاف منهج مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي هو مظهرٌ لمنهجين أساسين في التعامل مع النصوص التشريعية عموما، قلمَّا تخلو منهما بيئةٌ إنسانية متحضِّرة: منهجٌ شديد التمسُّك بظاهر النص، ومنهجٌ يعطي وزنا أكبر للمقاصد العامَّة التي بُني عليها النَّص والحكمة المتوخَّاة منه» [2] .
بعد انقضاء عصر التابعين تركَّز إطلاق مصطلح"أهل الرأي"على أبي حنيفة، رحمه الله، وأتباعه، وذلك في مقابل مصطلح"أهل الحديث"الذي شَمِل تقريبًا جميعَ أئمة الاجتهاد غيرَهم. والسَّببُ في ذلك، في نظري، يعود إلى أربعة أمور انبنى بعضُها على بعض:
أوَّلها: غلبة التفريع والقياس والتخريج ومسائل الفقه الافتراضي على مجالس أبي حنيفة، رحمه الله، وأتباعه.
والثاني: قلة إتقان كثيرٍ منهم الحديث، وتركهم الاشتغال بروايته ومذاكرة أسانيده ومتونه في مجالسهم.
والثالث: ما بدا لكثيرٍ من أهل الحديث والفقه أنَّ فقهاء الرأي من أهل الكوفة يعتمِدون رأيهم في مقابل الحديث: إمَّا جهلا به لعدم بلوغه إيَّاهم أو تقصيرهم في طلبه، وإما تقديمًا لرأيهم عليه عند التعارض.
والرابع: انتحالُ كثيرٍ من أهل الرأي، كبِشْر الْمَرِيسِيّ وغيره، مذهبَ المعتزلة. ومنهجُ المعتزلة، كما هو معروف، يقوم على تأويل النصوص، أو دفعها والتشكيك في حَمَلتِها، استنادا إلى الرأي وما يعتقدون أنَّه مقتضى النَّظر العقلي.
وفيما يلي نُقُولٌ عن أهل العلم تشير إلى جوانبَ مما ذكرنا.
(1) الاتجاهات الفقهية عند أهل الحديث لعبد المجيد محمود عبد المجيد: ص 49.
(2) الفقه الإسلامي ومدارسه، لمصطفى أحمد الزرقاء: ص 62.