الصفحة 51 من 80

وقد أشار ابن القيِّم إلى قسمة أهل العلم إلى أهلِ ألفاظ وأهلِ معان في غير موضع في إعلام الموقعين، منبِّها على ضرورة التوسُّط وعدم الإسراف في اتباع المعاني أو الألفاظ على حدٍّ سواء. ومما قال في ذلك: «العلم بمراد المتكلِّم يُعرف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم علَّتِه، والحَوالة على الأول أوضحُ لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبُّر، وقد يَعْرِض لكلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مراد المتكلِّم، فيَعْرِض لأرباب الألفاظ التقصيرُ بها عن عمومها وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوق ما أُريد بها تارةً، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظيرُ ما يعرض لأرباب الألفاظ» [1] .

ورغم جَعْلِه أحدَ فريقي الصَّحابة المختلفَيْن في صلاة العصر في غزوة بني قريظة سَلَفًا لأصحاب المعاني، والفريقَ الآخر سَلَفًا لأصحاب الألفاظ، كما أشرنا إليه في موضع سابق، فقد انتقدَ المتطرِّفين من كلا الاتجاهين، فقال: «وأصحابُ الرأي والقياس حمَّلوا معاني النصوص فوق ما حمَّلها الشارع، وأصحاب الألفاظ والظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده، فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرةٌ من دَمٍ في البحر فالقياس أنَّه ينجُس، ونجَّسوا بها الماء الكثير مع أنَّه لم يتغيَّر منه شيءٌ البتةَ بتلك القطرة [2] ، وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرّةً من بول وصبَّها في الماء لم تُنجِّسه، وإذا بال في الماء نفسه ولو أدنى شيءٍ نجَّسه ... » [3] ، وذَكَرَ مسائل أخرى، ثم خلص أخيرًا إلى «أنَّ الواجب فيما علَّق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يُتَجاوَزَ بألفاظها ومعانيها، ولا يُقَصَّر بها، ويُعطى اللَّفظُ حقَّه والمعنى حقَّه» [4] .

ومن المعاصرين أشار عبد المجيد محمود إلى أنَّ الصِّراع والخصومة بين المكثرين من الفتوى والمقلِّين، سواءٌ أكانوا أهل رأي أو أهل حديث «هو صراعٌ طبيعيٌ ملازمٌ لوجود الإنسان ما دام لم يُخْلق على نمطٍ واحدٍ من التفكير والتقدير، ولذا

(1) إعلام الموقعين لابن القيم: (1/ 168) .

(2) لم أهتدِ إلى من قال بهذا القول من أهل العلم، والمذكور في كتب اختلاف العلماء الإجماعُ على أنَّ الماء الكثير لا ينجِّسه شيء إلا ما غيَّر أحدَ أوصافه. قال ابن المنذر (الأوسط 1/ 260) : «وأجمعوا على أنَّ الماء الكثير، مثل الرجل من البحر، أو نحو ذلك، إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونا، ولا طعما، ولا ريحا أنه بحاله في الطهارة قبل أن تقع فيه النجاسة. واختلفوا في الماء القليل تحل فيه نجاسة لم تغير للماء طعما، ولا لونا، ولا ريحا» .

(3) إعلام الموقعين لابن القيم: (1/ 170) .

(4) المرجع السابق: (1/ 172) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت