الصفحة 6 من 80

المبحث الأول

التَّعريف باللفظ والمعنى وعلاقة القصد بالمعنى

ويضمُّ مطلبين:

الأول: المقصود بثُنَائية"اللفظ والمعنى"في الفقه وأصوله.

الثاني: القصد وعلاقته بالمعنى.

المطلب الأول: المقصود بثُنائيَّة"اللفظ والمعنى"في الفقه وأصوله:

احتلَّ جَدَلُ"اللَّفظ والمعنى"حيِّزًا واسعا في تراثنا الإسلامي:

ففي علم الاعتِقاد دار نزاعٌ، مُستطيرٌ شَررُه، وعريضٌ أثره، في كلام الباري، سبحانه وتعالى، هل هو مخلوقٌ أو غير مخلوق. ومن أسباب ذلك أنَّ «مَنْ نظر إلى اللَّفظ دون المعنى، قال: إنَّ القرآن مخلوق، ومن نظر إلى المعنى الذي يدلُّ عليه اللَّفظ، قال: إنَّه غير مخلوق» [1] .

وفي علوم الحديث اختَلفوا هل تجوز الرِّوايةُ بالمعنى أو يُشترط فيها مراعاةُ اللفظ. قال الرَّامَهُرْمُزي: «وأمَّا إصابة المعنى بتغيير اللَّفْظ فأهل العلم مِن نَقَلَةِ الأخبار يختلفون فيه: فمنهم من يرى اتَّباع اللَّفظ، ومنهم من يتجوَّز في ذلك إذا أصاب المعنى، وكذلك سبيلُ التَّقديم والتأخير، والزِّيادة والنُّقصان، فإنَّ منهم من يعتمِدُ المعنى، ولا يعتدُّ باللَّفظ، ومنهم من يُشَدِّدُ في ذلك ولا يفارق اللَّفْظ» [2] .

وفي علوم العَربيَّة اشتَدَّ اختِلافُ البلاغيِّين في سبب بلاغة الكلام هل هو حُسْن اللفظ أو شَرَفُ المعنى، حتى قال الجاحِظ ـ وهو من أنصار مدرسة اللفظ ـ قولتَه المشهورة: «المعاني مَطْروحةٌ في الطَّريق يَعْرِفُها العَجَميُّ والعربيُّ، والبَدويُّ والقرويُّ والمدنيّ. وإنّما الشأنُ في إقامة الوزن، وتخيُّر اللَّفْظ، وسُهُولةِ الْمَخرج، وكَثْرة الماء، وفي صحّة الطَّبع، وجَودَة السَّبْك» [3] .

(1) نقلَهُ عن ابنِ رشد الحفيد ابنُ تيمية في درء تعارض العقل والنقل: (10/ 219) .

(2) المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي للرَّامَهُرْمُزي: ص 529.

(3) الحيوان للجاحظ: (3/ 67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت