مدلول اللَّفظ من الحقيقة إلى المجاز من غير قرينةٍ سِياقيَّة أو حالِيَّة تدعم ذلك إلا ما لاحَ لهم من معنىً مُستنبطٍ وحكمةٍ يرونها مقصودة.
ومِنْ أنصار المنهج الأول مَن يَشْتَدُّ استِمْساكُه بِظَواهر الألفاظ حتى إنَّه لا يلتفت إلى المعنى مُطلقا، ولو كان لائِحا يكاد يجاري الظَّاهِرَ في قُربهِ وانْفِهامِه. وفي المقابل فإِنَّ مِنْ أنصار المنهج الثاني مَنْ يُغْرِقُ في التِماسِ المعنى والاعتِداد به، ويُؤوِّلُ به النَّصَّ حتى لو كان هذا المعنى بعيدًا مُتَوهَّمًا، أو كانتِ البِنْيَةُ اللُّغَويَّة، أو السِّياقِيَّة، للنَّص تنْبُو عن قَبُوله إلا بتكلُّفٍ واستِكْراه.
وبينَ هذين الطَّرفين المتباعِدين مَراتبُ كثيرةٌ متفاوِتةٌ قُربًا وبُعدًا من هذا الطَّرف وذاك.
وتهدف هذه الدراسة إلى عرضٍ سريعٍ لتاريخ الفقه الإسلامي في ضوء منهَجَي اللفظ والمعنى هذين. وليس من غرض الباحث هنا المفاضلةُ بين المنهجين، أو إعلاءُ أحدهما ونقد الآخر، لا في الجملة ولا في آحاد المسائل، بل يعتقد الباحث أنَّ كلا المنهجين ـ باستثناء ما تطرَّف منهما ـ فِطريٌ، شرعيٌّ في الجملة، وأنَّهما مظهران للتَّنَوُّع الخَلْقي الذي بثَّه الله، تعالى، في طِباع الناس، وإمكاناتهم، ومُيولهم، وأنماط تفكيرهم.
كثيرةٌ هي الكتب التي تحدَّثت عن تاريخ الفقه ومدارسه، ولكنَّها في مجملها لم تركِّز البحث على ثنائية انقسام أهل العلم إلى أهل لفظٍ وأهل معنىً، على مدار هذا التاريخ. نعمْ، أشارَ كثيرٌ من الباحثين إلى ثنائيَّة"اللفظ والمعنى"حين تناولوا مدرستي أهل الرأي وأهل الحديث، واصِفين: أهل الرأي من أهل العراق بأنَّهم أهلُ معانٍ وتقصيد وتعليل، وأهل الحديث من أهل الحجاز بأنهم أهلُ ألفاظٍ وظواهرَ واتِّباع. وقد أشارَ قِلَّةٌ من الباحثين ـ كما ستراه من خلال البحث ـ إلى خطأ هذه النَّظْرة الشائعة في التقسيم والتوصيف، ولكن دون برهنةٍ جَليَّةٍ على ذلك. وهذا ما حاولت هذه الدراسة القيامَ بجانب منه.
أهميَّة الدِّراسة:
تُؤَدِّي هذه الدراسة إلى تفهُّمٍ أعمقَ للاختلافات الفقهية الناشبة بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، بالوصول إلى الأسباب العَمِيقة لهذه الاختِلافات، والتي تعود