الصفحة 35 من 80

وسلم، صلاة الحضر والسفر، فكما تصلي في الحضر قبلَها وبعدَها، فصلِّ في السَّفر قبلَها وبعدَها» [1] ، وهذا قياسٌ في مقابل ظاهر السُّنة (الترك النبوي) [2] .

ومما يُلحظ على ابن عمر، رضي الله عنهما، تهيُّبُه الشَّديد من الفتيا بالرأي بخلاف ابن عباس، رضي الله عنه، الذي كان يُفتي بالرأي كثيرا. عن جابر بن زيد قال: «لقِيني ابنُ عمر فقال: يا جابر! إنَّك من فقهاء أهل البصرة وستُسْتفتى فلا تُفْتِينَّ إلا بكتابٍ ناطق أو سُنَّة ماضية» [3] . وعن نافع قال: «كان عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، يجلسان للناس عند قدوم الحاجِّ. قال: كنت أجلس إلى هذا يوما، وإلى هذا يوما، فكان ابنُ عباس يجيب ويفتي في كل ما يُسأَل عنه، وكان ابن عمر يَرُدُّ أكثرَ مما يفتي» [4] . وعن سليمان بن يَسار قال: «كنتُ أقسمُ نفسي بين ابن عبَّاس وابن عمر، فكنتُ أكثرَ ما أسمع ابنَ عمر يقول: لا أدري، وابن عباس لا يردُّ أحدا، فسمعتُ ابن عبَّاس يقول: عجبًا لابن عمر وردِّه الناس! ألا ينظر في ما يَشُكُّ: فإنْ كانت مضت به سُنَّةٌ قال بها، وإلا قال برأيه!» [5] .

المطلب الثالث: أهل الألفاظ وأهل المعاني في عهد التابعين:

وفي عهد التابعين ظهرت أيضًا معالم التَّمايز بين أهل العلم، ما بين فريقٍ يؤثر الاتباع المحض ويكتفي بالظاهر ويقتصد في الفتيا، وفريقٍ ينظر إلى المعنى ويُعمِلُ الرأي ويجسُر على الفتيا. لكن توسَّعت في حقِّ الفريقين معًا دائرةُ المنصوص والسُّنة لتدخل فيها بالإضافة إلى أقوال النبي، صلى الله عليه وسلم،

(1) أخرجه أحمد (المسند: 3/ 494) . قال الأرناؤوط: إسناده حسن، ونقل تحسينه أيضا عن البوصيري.

(2) الأصل ترك ما تركه النبي، صلى الله عليه وسلم، في أبواب العبادات، لأن مبناها على التوقيف، ولكن قد يخرج عن هذا الأصل لدليل من قياس ومصلحة، كما في إحداث أذان الجمعة الأول زمن عثمان، رضي الله عنه.

(3) أخرجه البخاري (التاريخ الكبير: 2/ 204) . والدارمي (السنن: 1/ 264) قال محقق الدارمي: حسين سليم أسد: إسناده حسن. وأخرجه يعقوب الفسوي (المعرفة والتاريخ: 3/ 392) وغيرُه، بلفظ «العلم ثلاثة، كتاب ناطق، وسُنَّة ماضية، ولا أدري» . وصحَّحه الألباني (سلسلة الأحاديث الضعيفة: 8/ 411) موقوفًا على ابن عمر.

(4) أخرجه الدارمي (السنن: 1/ 258) . والبيهقي (المدخل إلى السنن الكبرى: ص 151) . قال محقِّق الدارمي حسين سليم أسد: إسناده حسن.

(5) ذَكَرَه الذهبي (تذكرة الحفاظ: 1/ 38) عن الضَّحاك بن عثمان عن بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار به. وهذا المذكور على شرط مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت