من خالف السُّنةَ كَفَر» [1] ، و «لم يكن يصلِّي مع صلاة الفريضة في السَّفر شيئا، قبلها ولا بعدها، إلا من جوف اللَّيل ... » [2] . ورأى قوما يتنفَّلون بعد الفريضة في السَّفر، فقال: «ما يصنعون؟! .. لو كنتُ مصلِّيًا قبلها أو بعدَها لأتممتُها، صحبتُ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، حتى قُبض، فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قُبض فكان لا يزيد عليهما، وعمر وعثمان كذلك» [3] . وأبو هريرة، رضي الله عنه، لم يكن بأقلَّ استِمْساكا بظاهر السُّنة من ابن عمر، رضي الله عنهما، في مثل هذه المسائل، فقد رُوي عن ابنِه مُحَرَّر قولُه: «صمتُ رمضان في السَّفر فأمرني أبو هريرة أن أُعيدَه في أهلي، وأن أقضيَه فقضيتُه» [4] .
وفي المقابل فإنَّ عائشة، رضي الله عنها، «كانت تصوم في السَّفر، وتصلِّي أربعا» [5] ، فقال لها عُروةُ: «لو صلَّيتِ ركعتين؟! فقالت: يا ابن أختي، إنَّه لا يشقُّ علي» [6] . قال ابن حجر: هذا «دالٌّ على أنها تأوَّلت أنَّ القصر رُخصة، وأن الإتمام لمن لا يشقُّ عليه أفضل» [7] . وكان ابن عباس، رضي الله عنهما، يُخَيِّرُ في الصيام في السفر، ويقول: «إن النبي، صلى الله عليه وسلم، صام في السفر وأفطر، فلا يُعاب على من صام، ولا على من أفطر، فمن صام خيرٌ ممن أفطر. وقال: خُذْ بأيسرهما عليك» [8] ، ومع أنه لم يكن يرى الإتمام كعائشة وعثمان، رضي الله عنهما، فقد كان يرى التنفُّل قبل الفريضة وبعدَها، ومما قال: «فرض رسول الله، صلى الله عليه
(1) أخرجه عبد الرزاق (2/ 519) ، والطبراني (الكبير: 13/ 260) وغيرُهما. قال الهيثمي (مجمع الزوائد 2/ 154) : «رجاله رجال الصحيح» . وقال ابن حجر (المطالب العالية: 5/ 99) : إسناده صحيح. وقال الألباني (صلاة التراويح: ص 43) : «رواه السِّراج في مسنده بإسنادين صحيحين» .
(2) أخرجه مالك (الموطأ: 1/ 150) ، وسنده صحيح.
(3) أخرجه أحمد (المسند:9/ 165) . قال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، (1/ 479) ، رقم (689) .
(4) ذكر ابن حزم (المحلى: 4/ 403) أنه رُوِّيه من طريق عطاء عن المحرر به، وكذا ذكره السيوطي (الدر المنثور: 1/ 461) ، وقال: أخرجه عبد بن حميد.
(5) أخرجه عبد الرزاق (المصنف: 2/ 561) ، وسنده متصل رجاله ثقات.
(6) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى 3/ 204) . قال ابن حجر (فتح الباري: 2/ 571) : «إسناده صحيح» .
(7) فتح الباري لابن حجر: (2/ 571) .
(8) أخرجه عبد الرزاق (المصنف: 2/ 569) ، وسنده متصل رجاله ثقات.