الصفحة 33 من 80

فقال ابنٌ له: يُقال له واقد: إذن يتَّخِذنه دَغَلًا [1] . قال: فضرب في صدره، وقال: أُحدِّثك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقول: لا» [2] . وفي رواية: «فسبَّهُ سَبًَّا سيِّئا ما سمعتُه سبَّه مثلَه قطّ، وقال: أُخبرك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقول: والله لنمنعُهُن» [3] .

وفي المقابل نجد عائشة، رضي الله عنها، تلتفت إلى ما أحدثته النِّساءُ في خروجهن وتراه سببا مؤثِّرا في تغيُّرِ حُكم الإذن نظرا إلى ما صار يؤول إليه من الفساد، فقالت: «لو أدرك رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، ما أحدثَ النِّساءُ لمنعهنَّ، كما مُنِعت نساءُ بني إسرائيل» [4] . قال الطَّحَاوي: «فكان قولُ عائشة في هذا، وهي المأمونة على ما قالت، مع علمها وفقهِها ويقظتها، ما قد دلَّ على أنَّ النِّساء إنما كان لهنَّ إتيانُ المساجد في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واسعًا لحالٍ كُنَّ عليها، وقد خرجن عنها بعدَه إلى ضدِّها، فانتفى بذلك ما كان واسعًا لهنَّ من إتيانهنَّ إيَّاه على ما كُنَّ يأتينه في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وإذا كُنَّ كذلك في حياة عائشةَ كُنَّ بعد موتها من ذلك أبعد» [5] .

ومن الأمثلة أيضا اختلافُهم في الفِطْر والقَصْر والتنفُّل في السَّفر لمن لم يشقَّ عليه ذلك، فابن عمر، رضي الله عنهما «كان يقول: من صَحِبنا فلا يصم ... وكان لا يصوم في السَّفر» [6] ، وسُئل عن الصلاة في السَّفر، فقال: «ركعتين ركعتين،

(1) الدَّغَل هو، كما قال النووي (شرح صحيح مسلم: 4/ 162) : «الفساد والخداع والريبة» والدَّغَل في الأصل: الشجر الكثير الملتف. وإذا دخل الرجل مدخلا فيه ريبة قيل: دَغَل فيه، مثل دُخُول القانص المكانَ الخفيَّ يَختِل الصَّيْد. يُنظر تهذيب اللغة للأزهري (8/ 91) . والمقصود في الأثر أنَّ بعض النساء قد يتَّخذن الخروج بالليل ستارا لإخفاء خيانتهن إن كانت.

(2) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ... ، (1/ 327) ، رقم: (442) .

(3) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ... ، (1/ 327) ، رقم: (442) .

(4) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب الأذان، باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس، (1/ 173) ، رقم: (869) . ومسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة ... ، (1/ 329) ، رقم: (445) .

(5) شرح مشكل الآثار للطحاوي (12/ 142) . والجمهور في هذه المسألة على مذهب عائشة، رضي الله عنها، ما خلا ابن حزم الظاهري الذي انتصر لمذهب ابن عمر، ودفع احتجاج الجمهور بأثر عائشةَ هذا من ثمانية وجوه. يُنظر المحلَّى لابن حزم (3/ 115) .

(6) أخرجه عبد الرزاق (2/ 567) ، وسنده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت