الصفحة 23 من 80

الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن شَرْعهِ بالرأي» [1] . وقال، في المقابل، في اجتهادٍ آخرَ متطرِّف لأهل الظاهر: «هو قولٌ يقتضي فسادَ الإسلام ... وهؤلاء يتكلَّمَون أحيانا بما يظنُّونه ظاهرَ اللفظ، ولا يتدبَّرون عواقِبَ قولهم» [2] .

المطلب الثاني: أهل الألفاظ وأهل المعاني في عهد الصحابة:

وبعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، استمرَّت في الظُّهور معالِمُ انقِسام الناس بين أهل لفظ وأهل معنىً، فمثلًا: أصرَّ الخليفةُ أبو بكر، رضي الله عنه، على إنْفاذ بعث أسامة، رضي الله عنه، بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكانت حُجَّتُه ظاهرَ النَّص، حيث أجابَ أسامةَ: عندما سأله: ما تأمُرني؟ قال: «تمضي على أَمْرك الذي أَمَرَك رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، لا أزيدُ فيه ولا أنقُصُ منه» [3] . وقال: «والله لو أني أعلم أن الذِّئاب والكلاب تنهشني بها ما رَددت أمرًا أَمَر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم» [4] ، وفي رواية: «والذي لا إله إلا هو لو جَرَتِ الكلاب بأرجل أزواج النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، ما رَدَدْتُ جيشًا وجَّهَهُ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا حلَلَتُ لواءً عَقَدَه» [5] ، ولم يلتفتْ إلى حُجَّة المخالفين، ومنهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذين التفتوا إلى أمورٍ استصلاحية لتأخير ـ أو تأويل ـ أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بإنفاذ بعث أسامة، حيث قالوا: «إنَّك إنْ

(1) المسوَّدة لآل تيمية: ص 277.

(2) منهاج السنة النبوية لابن تيمية: (6/ 108) .

(3) أخرجه سعيد بن منصور (السنن: 368) من مرسل سليمان بن يسار. وسنده إلى سليمان متصل رجاله ثقات. ورواه بمعناه عبد الرزاق (5/ 482) من مرسل الزهري بسند صحيح. وأخرجه بمعناه مُتَّصلا من حكاية أبي هريرة، رضي الله عنه، البيهقيُّ (الاعتقاد: ص:345) ، وابن عساكر في (تاريخ دمشق: 2/ 60) ، وأورده الهندي (كنز العمال: 5/ 602، رقم: 14066) . وقال: «سندُه حسن» . قُلتُ: لكن في سنده: عبَّاد بن كثير، قال ابن كثير (البداية والنهاية: 9/ 424) . «عبَّاد بن كثير هذا أظنُّه الرَّملي؛ لرواية الفِريابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأمَّا البصري الثَّقفي فمتروك الحديث» . ومن المشكل ترجيح ابن كثير كونَه الرملي لا البصري برواية الفريابي عنه؛ لأنَّ الفريابي يروي عن البصري لا الرملي كما في سير أعلام النبلاء للذَّهبي (7/ 106) وتهذيب الكمال للمِزِّي (14/ 146) . ومن المشكل أيضا قوله في الرَّملي:"متقارب الحديث"مع أنه، رغم تعبُّدِه، واهٍ عند الأكثر. ومع هذا فيشهد لهذه الرواية المتَّصلة مرسلا الزهري وسليمان، ومراسيل أخرى بمعناها رواها أصحاب السِّيَر.

(4) المراجع السابقة.

(5) المراجع السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت