الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن شَرْعهِ بالرأي» [1] . وقال، في المقابل، في اجتهادٍ آخرَ متطرِّف لأهل الظاهر: «هو قولٌ يقتضي فسادَ الإسلام ... وهؤلاء يتكلَّمَون أحيانا بما يظنُّونه ظاهرَ اللفظ، ولا يتدبَّرون عواقِبَ قولهم» [2] .
وبعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، استمرَّت في الظُّهور معالِمُ انقِسام الناس بين أهل لفظ وأهل معنىً، فمثلًا: أصرَّ الخليفةُ أبو بكر، رضي الله عنه، على إنْفاذ بعث أسامة، رضي الله عنه، بعد وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكانت حُجَّتُه ظاهرَ النَّص، حيث أجابَ أسامةَ: عندما سأله: ما تأمُرني؟ قال: «تمضي على أَمْرك الذي أَمَرَك رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، لا أزيدُ فيه ولا أنقُصُ منه» [3] . وقال: «والله لو أني أعلم أن الذِّئاب والكلاب تنهشني بها ما رَددت أمرًا أَمَر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم» [4] ، وفي رواية: «والذي لا إله إلا هو لو جَرَتِ الكلاب بأرجل أزواج النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، ما رَدَدْتُ جيشًا وجَّهَهُ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا حلَلَتُ لواءً عَقَدَه» [5] ، ولم يلتفتْ إلى حُجَّة المخالفين، ومنهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الذين التفتوا إلى أمورٍ استصلاحية لتأخير ـ أو تأويل ـ أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، بإنفاذ بعث أسامة، حيث قالوا: «إنَّك إنْ
(1) المسوَّدة لآل تيمية: ص 277.
(2) منهاج السنة النبوية لابن تيمية: (6/ 108) .
(3) أخرجه سعيد بن منصور (السنن: 368) من مرسل سليمان بن يسار. وسنده إلى سليمان متصل رجاله ثقات. ورواه بمعناه عبد الرزاق (5/ 482) من مرسل الزهري بسند صحيح. وأخرجه بمعناه مُتَّصلا من حكاية أبي هريرة، رضي الله عنه، البيهقيُّ (الاعتقاد: ص:345) ، وابن عساكر في (تاريخ دمشق: 2/ 60) ، وأورده الهندي (كنز العمال: 5/ 602، رقم: 14066) . وقال: «سندُه حسن» . قُلتُ: لكن في سنده: عبَّاد بن كثير، قال ابن كثير (البداية والنهاية: 9/ 424) . «عبَّاد بن كثير هذا أظنُّه الرَّملي؛ لرواية الفِريابي عنه، وهو متقارب الحديث، فأمَّا البصري الثَّقفي فمتروك الحديث» . ومن المشكل ترجيح ابن كثير كونَه الرملي لا البصري برواية الفريابي عنه؛ لأنَّ الفريابي يروي عن البصري لا الرملي كما في سير أعلام النبلاء للذَّهبي (7/ 106) وتهذيب الكمال للمِزِّي (14/ 146) . ومن المشكل أيضا قوله في الرَّملي:"متقارب الحديث"مع أنه، رغم تعبُّدِه، واهٍ عند الأكثر. ومع هذا فيشهد لهذه الرواية المتَّصلة مرسلا الزهري وسليمان، ومراسيل أخرى بمعناها رواها أصحاب السِّيَر.
(4) المراجع السابقة.
(5) المراجع السابقة.