تبعث أسامة ومعه حد الناس فترتدُّ هذه الأعراب فتَميل على ثَقَل رسول الله، صلى الله عليه وسلم» [1] ، وقالوا: «رُدَّ هؤلاء. تُوَجِّهُ هؤلاء إلى الرُّوم وقد ارتدَّت العرب حولَ المدينة؟!» [2] .
ولَمَّا اقترح عمرُ، رضي الله عنه، جمعَ القرآن على أبي بكر، رضي الله عنه، تردَّد أبو بكر وُقُوفا مع ظاهر السُّنَّة (الترك النبوي) ، فقال: «كيف أفعلُ شيئا لم يفعله رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟» [3] ، فاحتجَّ عليه عُمَرُ، رضي الله عنه، بالمعنى والمصلحة، قائلًا: «هو واللهِ خيرٌ» [4] ، فلم يزل به حتى أقنعه.
وكذا لما جاء الأقرع بن حابس وعُيينةُ بن حِصْن أبا بكر فسألاه أن يُقْطِعَهما أرضا أجاب طلبَهما، وكتب لهما بذلك كتابا، اتباعا لما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يعطيهما تأليفًا لهما، فلمَّا عَرَضا الكتاب على عمر، رضي الله عنه، مَحَاه، وقال لهما: «إنَّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يتألَّفُكُما والإسلام يومئذٍ ذليل [وفي رواية: قليل] ، وإن الله، عزَّ وجلَّ، قد أعزَّ الإسلام فاذهبا فاجهدا جُهدَكما» [5] . فكان مسلكُ أبي بكر، رضي الله عنه، سائرًا مع الظاهر، ومسلكُ عمر، رضي الله عنه، سائرًا مع المعنى.
(1) المراجع السابقة.
(2) المراجع السابقة.
(3) أخرجه البخاري، تفسير القرآن، باب قوله: {لقد جاءكم رسول ... } ، (6/ 71) ، رقم: (4679) .
(4) المرجع السابق.
(5) أخرجه من حكاية عَبيدَة السَّلماني ابنُ أبي شيبة (المصنف: 6/ 473) مختصرا. والبخاري (التاريخ الأوسط: 1/ 56) مختصرا، ويعقوب بن سفيان الفسوي (المعرفة والتاريخ: 3/ 293) ، واللفظ له. والبيهقي (السنن الكبرى: 7/ 32) ، وابن عساكر (تاريخ دمشق: 9/ 195) ، «بإسنادٍ صحيح» ، كما قال ابن حجر (الإصابة في تمييز الصحابة: 1/ 254) ، ثم نقل عن ابن المديني قوله: «هذا منقطع، لأنَّ عَبيدَة لم يدرك القصة، ولا روى عن عمر أنَّه سمعه منه. قال: ولا يُروى عن عمر بأحسن من هذا الإسناد» . قلتُ: لكنَّ عَبيدةَ تابعيٌّ مخضرم هاجر إلى المدينة زمن عمر، وقد ذكر البخاريُّ (التاريخ الكبير: 6/ 82) وغيرُه له سماعًا منه. فاحتمال سماعه القِصَّة منه، بعد حدوثها، واردٌ، وإن لم يكن ظاهرا في الرواية. وقد رُوي الأثر مرسلا من وجوهٍ أُخَر عن نافع مولى ابن عمر عند يعقوب الفَسَوي (المعرفة والتاريخ: 3/ 293) ، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي وعمرو بن يحيى الزرقي كليهما عند أبي عبيد (الأموال: ص 351) ، وعن طاوس عند عبد الرزاق كما ذكر الهندي (كنز العمال: 1/ 315) فيتقوَّى بهذه الطُّرُق، ولذلك صحَّح ابنُ حجر إسناده غير عابئ بما قال ابن المديني، والله أعلم.