الصفحة 25 من 80

وفي موضوع التَّسْوية في العَطَاء بين الناس أو الْمُفاضَلة بينهم، تظهر متابعة أبي بكر، رضي الله عنه، فعلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، في عدم اعتبار السَّابقة في الإسلام والهجرة والغَنَاء معيارا في المفاضلة، فقد كان، صلى الله عليه وسلم، كما قال عوف بن مالك الأشجعي، رضي الله عنه: «إذا جاءَ فَيْءٌ قَسَمَهُ من يومِهِ، فأعطى الآهلَ حَظَّين، وأعطى العَزَبَ حَظًَّا واحدا. فدُعينا وكنت أُدعى قبلَ عمَّار بن ياسر، فدُعيت، فأعطاني حَظَّين، وكان لي أهلٌ، ثم دعا بعدُ عمَّارَ بنَ ياسر فأُعطِي حظًَّا واحدا» [1] ، مع أنَّ عمَّارا من أهل الهجرة والسَّابقة والغَناء في الإسلام. وكان أبو بكر شديد الاقتفاء لفعل النبي، صلى الله عليه وسلم، في سياسة المال حتى قال: «لست تاركا شيئا، كان رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، يعمل به إلا عَمِلتُ به، فإنِّي أخشى إن تركتُ شيئا من أمره أن أزيغ» [2] .

أمَّا عمرُ، رضي الله عنه، فاستعمل الرأي وآثر المفاضَلة بحسب القُرب من الرسول، صلى الله عليه وسلم، والسَّابقة في الإسلام والهجرة والغَناء، وقد كانت ظهرت منه، زمنَ النبي، صلى الله عليه وسلم، بوادرُ تدلُّ على عدم رضاه عن إعطاء حديثي العهد بالإسلام من الفيء، فضلا عن تسويتهم مع السَّابقين من المهاجرين والأنصار أو تفضيلهم عليهم، فقد قال للنبي، صلى الله عليه وسلم، في قسمةٍ قَسَمها: «والله يا رسول الله، لَغَيرُ هؤلاء كان أحقَّ به منهم» [3] ، وقال لأبي بكر: «فَضِّلِ المهاجرين الأوَّلين وأهلَ السَّابقة» فردَّ أبو بكر: «أشتري منهم سابقتَهم؟!» [4] ، فلمَّا آلت الخلافةُ إليه قال، رضي الله عنه: «لا أجعلُ من قاتل رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، كمن قاتل معه» [5] ، وقال: «من أسرعَ في الهجرة أسرعَ به العطاء، ومن

(1) أخرجه أحمد (المسند: 39/ 412) . قال الأرناؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أبو داود (2953) ، وابن الجارود (1112) ، والطبراني في"الكبير"18/ (81) ، وفي"الشاميين" (947) ، والبيهقي 6/ 346» .

(2) أخرجه البخاري، كتاب فرض الخمس، (4/ 79) ، رقم: (3093) .

(3) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغِلظة، (2/ 730) ، رقم: (1056) .

(4) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: 6/ 567) . وفيه أبو مَعْشر: ضعيف.

(5) أخرجه في ضمن حديث طويل ابن أبي شيبة (المصنف: 6/ 452) ، والبزار (المسند: 1/ 407) ، والبيهقي (السنن الكبرى: 6/ 569) . قال الهيثمي (مجمع الزوائد: 6/ 4) : فيه أبو مَعْشر نجيح: ضعيفٌ يُعتبر بحديثه. وقال ابن كثير (مسند الفاروق: 2/ 480) : «هذا الحديث حسن لأن له شواهدَ من أحاديثَ متعدِّدة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت