الصفحة 13 من 80

المبحث الثاني

مدرسة اللفظ ومدرسة المعنى سُنَّةٌ إلهية في الخَلق

انقِسامُ الناس إزاءَ النصوص الدينية والقانونية وغيرها، إلى لفظيين ومعنويين ليس خاصًَّا بأُمَّة الإسلام فحسب بل هو سُنَّة إلهيَّة في البشر جميعا. فقد وُجد مثل هذا الانقسام عند مفسِّري نصوص التوراة من اليهود، وهو موجود عند علماء القانون الوضعي قديمًا وحديثًا.

ففي علم التفسير اليهودي «ظهر بين اليهود الفريسيين اتجاهان فكريان كان لهما أكبرُ الأثر في علم التفسير اليهودي: 1. اتجاهٌ عقلي تأويلي يهتم بمقاصد الشريعة أكثر من الفروع الفقهية. 2. اتجاهٌ ظاهريٌّ يتمسَّك بظواهر النّصوص وتفريعاتها الفقهية ولا يأخذون بالتأويل» [1] . وجاء في تاريخ ابن خلدون عن حال اليهود قُبيل إرسال المسيح، عليه السلام: «وكان اليهود في دينهم يومئذٍ ثلاثَ فرق: فرقة الفقهاء وأهل القياس، ويُسمُّونهم الفروشيم وهم الربّانيّون، وفرقة الظَّاهريّة المتعلِّقين بظواهر الألفاظ من كِتَابهم، ويسمُّونهم الصدوقيّة، وهم القَرّاؤون، وفرقة العُبّاد المنقطعين إلى العبادة والتسبيح والزُّهاد فيما سوى ذلك ويسمُّونهم الحيسيد» [2] . قال الشيخ رشيد رضا: «ثُمَّ جاء مُصْلحُ إسرائيل الأعظم عيسى المسيح، صلوات الله وسلامه عليه، ينقُضُ ما كانوا عليه من ذلك بدعوتهم إلى نقيضِه أو ضِدِّه، فقابَلَ مُبالغتَهم في المادِّية بالمبالغة في الرّوحانية، ومُبالغتَهم في الأَثَرة بالمبالغة في الإيثار الذي تُعبِّر عنه النَّصَارى بإنكار الذات، ومُبالغتَهم في الجُمُود على ظواهر الشَّريعة بالمبالغة في النَّظَر إلى مقاصدها» [3] .

وفي مجال التفسير القانوني، ظهرت في القرن التاسع عشر الميلادي مدرستان تنتهجان نمطين مُتضادَّين في تفسير النصوص القانونية: سُميت إحداهما: مدرسة التزام النص، أو"الشرح على المتون"، وهي المدرسة التي ترى أنَّ

(1) "التأويل والشأن العام عند الفرق اليهودية المعاصرة"لعامر الحافي، مجلة التفاهم، العدد 19. والمقال منشور إلكترونيا أيضا على الرابط http://www.altasamoh.net/Article.asp?Id=433. استُعرض بتاريخ 19/ 1/2012 م.

(2) تاريخ ابن خلدون: (2/ 142) .

(3) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: (7/ 8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت