الصفحة 22 من 80

فعن علي، رضي الله عنه، قال: «بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، سَريَّةً فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبيُّ، صلى الله عليه وسلم، أن تُطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجَمَعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهمُّوا، وجعل بعضُهم يمسك بعضًا، ويقولون: فررنا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، من النَّار، فما زالوا حتى خَمَدتِ النار، فَسَكن غضبُه، فبَلغَ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، فقال:"لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطَّاعة في المعروف"» [1] . وفي روايةٍ أخرى: «قال [أميرُ السَّرية] : ادخلوها، فأراد ناسٌ أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنَّا قد فررنا منها، فذُكر ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها:"لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة"، وقال للآخرين قولًا حسنا، وقال:"لا طاعة في معصية الله، إنما الطَّاعة في المعروف"» [2] .

في هذه الحادثة تظهر، مرةً أخرى، فِطريَّةُ انقسام الناس إلى أهل لفظ وأهل معنى. فالذين همُّوا بدخول النار، وأميرُ السَّرية، استندوا إلى ظاهر العموم في أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، إيَّاهم بالطاعة. وأما الآخرون فاحْتجُّوا بالمعنى والمآل الفاسد على أنَّ ظاهرَ العموم غيرُ مقصود، وقد صوَّب النبي، صلى الله عليه وسلم، اجتهادَهم، وخَطَّأ من همُّوا باتِّباع الظاهر، ولم يَرَ لهم عُذرا في ذلك لو فَعَلوا؛ لِوُضوح الخطأ في مثل هذا الاجتهاد.

وهاتان الحادثتان: حادثة الحديبية بما تضمَّنته من خطأ اعتماد الرأي في مقابلة النَّص البَيِّن القاطع، وحادثةُ السَّرية بما تضمَّنته من خطأ الجري مع الظاهر إذا عارضه جَليُّ القصد والمعنى، يدلان على أنَّ التطرُّف في أَيِّ اتجاه من الاتجاهين غيرُ حميد، فالتطرُّف في الرأي يُفضي إلى رد النصوص البيَّنة وتعطيلِها، والتطرُّف في الظاهر يؤدِّي إلى الجمود على الألفاظ حتى لو أفضت ظواهرُها إلى عواقِبَ لا تقرُّها الشريعة. قال ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في بعض اجتهاداتِ أهل الرأي المتطرِّفة: «هذا عندي اصْطِلامٌ للدِّين ونسخٌ للشريعة بالرأي ومآلُه إلى انحلال من بعد

(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة ... ، (5/ 161) ، رقم: (4340) .

(2) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد ... ، (9/ 88) ، رقم: (7257) . ومسلم، واللفظ له، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ... ، (3/ 1469) ، رقم: (1840) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت