الصفحة 21 من 80

كان حَمُولَةَ الناس فَكِرَه أن تذهب حَمُولتُهم، أو حرَّمَه في يوم خيبر لحمَ الحُمُر الأهلية» [1] .

فمن كان مُتَشوِّفا إلى المعنى من الصَّحَابة، رضوان الله تعالى عليهم، قال بالتعليل ولم يرَ النهي عن الحُمُر لذاتها بل لِعارض يزول بزواله. ومن وَقَفَ مع ظاهر النهي رآها حُرِّمت لذاتها.

وفي عام الحُدَيبية ظَهَر أيضا تمايُزُ الصَّحابة بين من يُؤثر الاتِّباع المحض، ومن يُعمل الرأي حتى مع وجود النَّص البَيِّن، فقد قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مُبْدِيًا اعتراضَه على بنود الصُّلح: «أتيتُ نبي الله، صلى الله عليه وسلَّم، فقلتُ: ألستَ نبيَّ الله حقا، قال: بلى، قلتُ: ألسنا على الحق، وعَدُوُّنا على الباطل، قال: بلى، قلتُ: فلِمَ نعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذن؟» [2] . أمَّا أبو بكر، رضي الله عنه، فقد قال لعمر: «أيُّها الرجل إنَّه لَرسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستمْسِك بِغَرْزه، فوالله إنَّه على الحق» [3] . ويبدو عُمَرُ، رضي الله عنه، بعد ذلك نادمًا على إغراقه في الرأي إلى الحدِّ الذي كاد يردُّ فيه الأمر، فقد رُوِي عنه قوله: «اتَّهِموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني يوم أبي جندل أردُّ أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، برأيي ... » [4] وقال: «فَعَمِلت لذلك أعمالا» [5] ، أي تكفيرا لما كان مني في موقفي ذاك.

وإذا كان خطأُ اتِّباع الرأْيِ في حادثة الحديبية واضحًا فإنَّ خطأَ اتباع الظاهر في حادثة السَّرِيَّة التي أَمر قائِدُها أصحابَه بدخول النار كان أكثر وضوحا.

(1) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (5/ 136) ، رقم (4227) . ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، (3/ 1539) ، رقم (1939) .

(2) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ... ، (3/ 196) ، رقم: (2731) .

(3) المرجع السابق.

(4) أخرجه البزار (المسند: 1/ 254) . وعزاه الهندي (كنز العمال: 1/ 372) إلى ابن جرير في الأفراد، وأبي نعيم في المعرفة، واللالكائي في السنة، والديلمي. قلتُ: وقد انفرد به مُبارك بن فَضَالة كما قال البزار، وهو، فضلًا عن ضعفٍ فيه، مُدلِّسٌ، وقد رواه بالعَنعنة في جميع طُرُقه. ومع هذا فقد رُوي مثلُ هذا الأثر عن غير عمر، رضي الله عنه، بسندٍ صحيح، فأخرجه البخاري (4/ 103، رقم:3181) وغيرُه عن سهل بن حُنَيف، رضي الله عنه، من قوله: «اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أردَّ أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، لرددته ... » .

(5) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ... ، (3/ 196) ، رقم: (2731) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت