والأمر الثاني: إقرار النبي، صلى الله عليه وسلم، اجتهادَ الطرفين رغم الخلاف، وسكوتُه عن تصويب أو تخطئة أحدهما، دليلٌ على قبول كلا المنهجين في التعامل مع النص. وهذا بغضِّ النَّظر عن القول بِصَوابية اجتهاديهما معا، كما يقوله الْمُصَوِّبة، أو صوابية أحدِهما وخطأ الآخر، كما يقوله الْمُخَطِّئة [1] .
ومن الشَّواهد أيضا على انقسام النَّاس إلى أهل ألفاظٍ وأهل معان في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، اختلافُهم في تفسير نهيه، صلى الله عليه وسلم، عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، فقد قال عبد الله بن أبي أوفى، رضي الله عنه: «أصابتنا مجاعةٌ ليالي خيبر، فلمَّا كان يومُ خيبر وقعنا في الحُمُر الأهليَّة، فانتحرناها، فلمَّا غَلَتْ بها القُدُور، نادى منادي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أَنِ اكفَئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحُمُر شيئا، قال: فقال ناسٌ: إنما نهى عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنَّها لم تُخَمَّس، وقال آخرون: نهى عنها البتَّة» [2] . وقال ابن عبَّاس، رضي الله عنهما: «لا أدري أنهى عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من أجل أنَّه
(1) الْمُصَوِّبة هم القائلون بتعدُّد الحق والصواب في المسائل الاجتهادية، والْمُخَطِّئة هم الذين يقولون الحق والصواب واحد، وللمصيب أجران، والمخطئ معذور، وله أجر واحد على اجتهاده إن كان من أهله. يُنظر: البحر المحيط للزركشي: (8/ 281) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (5/ 136) ، رقم: (4220) . ومسلم، واللفظ له، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، (3/ 1539) ، رقم: (1937) . وقد وقع في إحدى روايات البخاري من طريق عبَّاد بن العوَّام عن أبي إسحاق الشيباني بلفظ: «قال ابن أبي أوفى: تحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تُخَمَّس، وقال بعضهم: نهى عنها البتة لأنَّها كانت تأكل العَذِرة» . والذي يبدو أن تعليل تحريم البتة بكون الحُمُر كانت تأكل العَذِرة ليس من كلام ابن أبي أوفى، رضي الله عنه، بل هو مُدرجٌ أُخذ من كلام سعيد بن جبير عندما سأله الشيباني عن وجه حديث ابن أبي أوفى. وقد كَشَف عن ذلك الرِّواياتُ الأخرى الموثوقة للحديث، فقد روى علي بن مُسْهِر (مسلم: 3/ 1538) ، وعبد الواحد بن زياد (البخاري: 4/ 96) ، هذا الحديث عن أبي اسحاق الشَّيباني فلم يذكرا هذا التعليل الذي انفرد بذكره عبَّاد. وكذا روى شعبة (شرح معاني الآثار: 4/ 207) ، وسفيان بن عُيينة (مسند أحمد: 32/ 143) ، وخالد بن عبد الله (السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 554) ، الحديث عن أبي إسحاق فبيَّنوا أنَّ التعليل بأكل العَذِرة إنما هو من كلام سعيد. وقد جاء في رواياتهم المذكورة عن الشيباني قال: «ذكرتُ لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى، في أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، إيَّاهم، بإكفاء القدور يومَ خيبر. فقال: إنما نهى عنها؛ لأنها كانت تأكل العَذِرة» . والله أعلم.