الصفحة 19 من 80

لا أنَّ تأخيرَ الصَّلاةِ مقصودٌ في نفسه من حيثُ إنَّه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرًا إلى المعنى لا إلى اللفظ فصلُّوا حين خافوا فَوْت الوقت، وأخذ آخرون بظاهر اللَّفْظ وحقيقتِه فأخَّروها، ولم يعنِّف النبي، صلَّى الله عليه وسلم، واحدًا من الفريقين؛ لأنهم مجتهدون. ففيه دلالةٌ لمن يقول بالمفهوم والقياس ومراعاةِ المعنى، ولمن يقول بالظَّاهر أيضًا» [1]

وقال ابن تيميَّة: «الأوَّلون تمسَّكوا بعموم الخطاب، فجعلوا صورةَ الفوات داخلةً في العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يُوجب خروجَ هذه الصُّورة عن العموم، فإنَّ المقصودَ المبادرةُ إلى الذين حاصرهم النبي، صلى الله عليه وسلم. وهي مسألةٌ اختلف فيها الفقهاء اختلافًا مشهورًا: هل يُخَصُّ العُموم بالقِياس» [2] .

وقال ابن حجر، نقلا عن بعض أهل العلم: «في هذا الحديث من الفقه أنَّه لا يُعاب على من أَخَذ بظاهر حديثٍ أو آية، ولا على من استنبطَ من النَّص معنى يُخصِّصه» [3] .

وقال ابن القيم: «وقد اجتهد الصَّحَابة في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، في كثيرٍ من الأحكام ولم يعنِّفهم، كما أَمَرهم يوم الأحزاب أن يُصَلُّوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضُهم وصلاها في الطَّريق، وقال لم يُرِد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النُّهوض، فَنَظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخَّروها إلى بني قريظةَ فصلُّوها ليلًا، نظروا إلى اللَّفظ. وهؤلاءِ سَلَفُ أهل الظاهر، وهؤلاءِ سَلَفُ أصحاب المعاني والقياس» [4] .

في هذه الواقعة يتجلَّى لنا أمران:

أحدهما: فطريَّة انقسام الناس، حتى في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى أهل ألفاظ وأهل معان.

(1) شرح صحيح مسلم للنووي: (12/ 98) .

(2) رفع الملام عن الأئمة الأعلام لابن تيمية: ص 39. والصواب، كما نقله ابن حجر عن السُّهَيلي وغيره، أنَّ اجتهادهم هو من قبيل تخصيص العموم بالعلة المستنبطة منه، لا من تخصيص العموم بالقياس، وهما مسألتان مُتَشابهتان، لكنَّهما ليسا سواء. وقد أشار الزركشي (البحر المحيط: 4/ 498) وغيره إلى الفرق بينهما. ويُنظر: الفصل الثالث من كتاب أثر تعليل النص على دلالته للباحث.

(3) فتح الباري لابن حجر: (7/ 409) . ويُنظر: الرَّوض الأَنْف للسُّهَيلي: (6/ 224)

(4) إعلام الموقعين لابن القيِّم: (1/ 203) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت