الصفحة 32 من 80

قال: «إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة ... » [1] ، و «كان لا يروح إلى الجمعة إلا اغتَسل» [2] . وكان «إذا حَلَف قال: أنا إذًا شرٌّ ممن لا يغتسل يوم الجمعة» [3] .

أمَّا عائشةُ وابن عباس، رضي الله عنهم، فقد رُوي عنهما ما يشير إلى أنهما تأوَّلا ظاهر الأمر بالغسل يومَ الجمعة من الوجوب إلى الندب، وكان معتمدُهم في ذلك النَّظرُ إلى علة الأمر وسببه الباعث عليه، لا إلى ظاهر اللفظ.

فعن عائشةَ، أنها قالت: «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العَبَاء، ويصيبُهم الغُبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله، صلى الله عليه وسلم، إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم: لو أنَّكم تطهَّرتم ليومكم هذا» [4] .

وعن ابن عبَّاس، وقد سأله أُناسٌ «فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا؟ قال: لا، ولكنَّه أطهر، وخيرٌ لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصُّوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدُهم ضيّقا مُقَارِبَ السقْف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في يوم حارّ، وعَرِق الناس في ذلك الصُّوف حتى ثارت منهم رياحٌ آذى بذلك بعضُهم بعضا، فلمَّا وجد رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، تلك الريح قال:"أيُّها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، ولْيَمَسَّ أحدُكم أفضلَ ما يجد من دهنه وطِيبه". قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل ووُسِّع مسجدُهم، وذهب بعضُ الذي كان يؤذي بعضُهم بعضا من العَرَق» [5] .

ولعلَّها من أجلى صور الشدَّة في التشبُّث بالظاهر وإيثار الاتباع المحض من غير التفات إلى مُتَغيِّرات الأحوال، ما روى مجاهدٌ «عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"ائذنوا للنِّساء بالليل إلى المساجد".

(1) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: 3/ 250) . قال ابن حجر (فتح الباري: 2/ 382) : بإسنادٍ صحيح.

(2) أخرجه مالك (الموطأ برواية محمد بن الحسن: ص 47) عن نافعٍ ذكره.

(3) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف: 1/ 435) وسنده ضعيف.

(4) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة ... ، (2/ 581) ، رقم: (847) .

(5) أخرجه أحمد (المسند: 4/ 241) . وأبو داود (السنن: 1/ 97) ، واللفظ له. قال ابن حجر (فتح الباري: 2/ 362) : إسناده حسن. وقال الأرناؤوط: إسناده جيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت