أما في الفقه وأصوله فقد كان جدلُ"اللفظ والمعنى"المسؤولَ عن جانبٍ كبيرٍ من خلافات الفقهاء في اجتهاداتهم: الاستنباطية من النصوص، والتنزيليَّة على الوقائع، على حدٍّ سواء. وهذا ما سنشهد جانبا منه في هذه الدراسة.
لكنَّ الأصوليين والفقهاء، إذ يذكرون اللَّفظ والمعنى في المسائل، ويفاضلون ويوازنون بينهما، فإنَّهم، بخلاف غيرهم في العلوم الأخرى، لا يقصِدون بـ"اللفظ"في هذا المجال: مجموعَ الحروف والكَلِمات التي نَطَقَ بها المتكلِّم، أيْ مُجَرَّدَ الجانب المادِّي الصوتي الملفوظِ من الكلام، المعرَّفِ بأنَّه: «صوتٌ يأتَلِف عن مخارج الحُروف» [1] ، أو «أعراضٌ سيَّالةٌ تنقضي بِمُجَرَّدِ النُّطق بها» [2] ، أو «كيْفِيَّاتٌ تَعرِضُ للأصواتِ الحادثةِ من كيفيَّةِ إِخراج النَّفَس الضَّروري ... » [3] .
كما أنهم لا يقصِدون بـ"المعنى"، في المجال نفسه، ما عرَّفَه به أصحابُ الاصطلاح من أنَّه عُمومُ «ما يُفْهَم من اللَّفظ» [4] ، أو كُلُّ «ما يدلُّ عليه اللَّفظ» [5] ، أو جميعُ «الصُّور الذِّهنية من حيث وُضِعَ بإزائها الألفاظ» [6] .
اللَّفظُ عندهم، في هذا السِّياق، ليس إلا نوعًا خاصًَّا من المعنى، هو القَريبُ، الظَّاهر، المباشر، الْمُتَبادَرُ من الكلام، السَّابِق إلى أذهان أهل التَّخَاطب عند سَمَاعِه أو قراءته. ولذلك سَمَّوُا المغالين في اتِّباع اللفظ:"أهلَ الظَّاهر"و"الظَّاهرية"، وراوَحوا في أثناء الموازنة بين اللفظ والمعنى بين ذِكْر اللفظ مجرَّدًا وَذِكْره مع إضافة الظَّاهر إليه. قال الفقيه الشافعي أبو سعيد المتولِّي في إحدى المسائل: إنَّ الخلاف فيها هو بسبب اختلافهم «أنَّ الاعتِبار بِظواهر الألفاظ أو بمعانيها» [7] . قال السُّبكي معقِّبًا: «أراد بالظَّواهر: الألفاظَ» [8] . قلتُ: وكذا من أطلق الألفاظَ أرادَ بها الظَّواهر. وقال ابن رشد: في مسألة حدِّ السَّفر المبيحِ للفِطْر: «إنَّ العلماء اختلفوا فيها ... والسَّبب في اختلافهم: معارضةُ ظاهر اللَّفظ للمعنى» [9] .
(1) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير: (1/ 92) .
(2) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: (2/ 500) .
(3) بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب للأصفهاني: (1/ 148)
(4) الكلِّيات للكفوي: ص 842.
(5) تاج العروس للزبيدي: (39/ 123) .
(6) التوقيف على مُهِمَّات التعاريف للمناوي: ص 309.
(7) نقله عنه السبكي في الأشباه والنظائر: (1/ 175) .
(8) المرجع السابق.
(9) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الحفيد: (2/ 59) .