الصفحة 8 من 80

أمَّا المعنى فيقصدون به النوعَ الآخر من مدلول اللَّفظ، وهو الذي يقع قُبَالة المعنى الظاهر الآنفِ ذِكْرُه، وهو ـ على الضِّدِّ من المعنى الظاهر ـ معنىً غيرُ مباشر، يُفهم من اللَّفظ في ثاني الحال لا في أولِّها، ولذلك فهو بعيدٌ لا قريب، مُتَضمَّنٌ لا صريح، عميقٌ، في الغالب، لا ضَحْضَاح.

وعند الموازنة بين اللَّفظ والمعنى في المسائل، يقْصِد الأصوليُّون والفقهاء بهذا النوع من المعنى، بِحَسَب الاستقراء، واحدًا من اثنين:

الأول: مقصودُ المتكلِّم من الخِطاب جُملَةً، أي بالنَّظر إليه كُلًَّا واحدًا لا مجموعةً من الألفاظ الْمُتَمايزة. وتظهر الحاجة إلى موازنة هذا المعنى مع اللفظ إذا كان ظاهرُ بعضِ الألفاظ التي ضمَّها الخطاب دالَّا على خلاف المقصود المفهومِ من الخطاب بجُملته. فمثلا من قال لآخر:"وَهَبْتُكَ هذا بِأَلْف"، فهذا أطلقوا فيه اختلافَ الحكم بحسب اعتبار اللفظ أو اعتبار المعنى، فاللفظ"وهبتُك"يدلُّ ظاهرًا على إرادة الِهبة، وذِكْرُ العِوَض"بِأَلْف"مقرونًا بالهبة، يدلُّ على أنَّ المتكلِّم قَصَدَ بعبارته البيعَ والمعاوضةَ لا حقيقة الهبة. فمَن نَظَر إلى المعنى صحَّحَ العقد، مُجريًا عليه أحكام البيع، ومن نَظَر إلى اللَّفظ أبطلَ العقدَ لتناقُضِ أَوَّلِه مع آخرهِ في الظَّاهر، أو قال: هو هبةٌ بِعِوض، مُجريا عليه أحكام الهِبة في الابتداء وأحكامَ البيع في الانتهاء [1] .

والمعنى الثاني: العِلَّةُ الغائيَّةُ المقصودةُ من الحكم الذي اشتَمل عليه النَّص. والتي قد يُعبَّر عنها بـ"الحكمة"، أو"الغَرَض"، أو"الباعث"، أو"المغزى"، أو"المعنى"، أو"معنى المعنى"، أو"المصلحة". قال الْمَاوَرْدي: «أَلِفَ الفقهاءُ أن يُعَبِّروا عن المعنى بالعِلَّة، وعن العِلَّةِ بالمعنى، ولا يُوقِعِوا بينهما فرقًا: إما اتَّساعا وإمَّا اسْتِرسالا» [2] .

(1) فَبِاعْتِباره هبةً لا يصحُّ من الصغير، ولا من الولي، ولا يلزم إلا بالقبض، ولا يصح في مال مَشاعٍ يحتمل القسمة، وغير ذلك من شرائط عقد الهبة. وباعتباره بيعا لا يجوز الرجوع فيه، ويجري فيه الردُّ بالعيب، وخيار الرؤية، ويُؤخذ بالشفعة، وفي اشتراط كون العِوَض معلوما خلاف. وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى عَدِّ الصيغة المذكورة بيعا جريا مع المعنى، وتردَّد الشافعية بين إبطال العقد وعدِّه بيعًا، وكذا الحنابلة إلا أنهم زادوا وجهًا ثالثا، وهو تصحيح العقد على أنه هِبَةٌ بعوض. يُنظر: شرح القواعد الفقهية لأحمد الزرقا: ص 61، والوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية لمحمد آل بورنو: ص 149.

(2) الحاوي الكبير للمَاوَردي: (16/ 131) . ولأنه بلغ الذِّرْوَةِ في الاعتِداد باللفظ ورفْضِ التعليل، عَابَ ابنُ حزْم، رحمه الله، استعمالَ الفقهاء مصطلحَ"المعنى"في الدلالة على العلَّة. قال رحمه الله تعالى: «وقد سمَّى بعضُهم أيضا العِلَلَ معاني، وهذا من عظيم شَغَبِهم وفاسد متعلَّقهم. وإنما المعنى: تفسيرُ اللفظ، مثلُ أن يقولَ قائل: ما معنى الحرام؟ فتقولَ له: هو كلُّ ما لا يحلُّ فعلُه، أو يقولَ: ما معنى الفَرْض؟ فتقولَ: هو كلُّ ما لا يحلُّ تركُه، أو يقولَ: ما الميزان؟ فتقولَ له: آلةٌ يُعرفُ بها تبايُنُ مقادير الأجرام، فهذا وما أشبهَهُ هو المعاني» . الإحكام في أصول الأحكام: (8/ 101) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت