الصفحة 9 من 80

وتظهر الحاجة إلى موازنة هذا"المعنى" (=العلة) مع اللفظ إذا كان مُقتضى علَّةِ حكم النص، طَرْدًا أو عَكْسًا، يتعارض مع ظاهر بعض الألفاظ التي اشتَمل عليها هذا النَّص. فَطَرْدُ العِلَّةِ قد يَعُودُ، عند أنصار المعاني، على ظاهر اللَّفْظ بالتَّعميم أو التَّوسيع أو الزِّيادةِ في أفراده. وعَكْسُ العِلَّة قد يَعُودُ، عندهم، على ظاهر اللفظ بالتَّخصيص أو التَّضْييق أو النَّقْصِ من أفراده. ولا يسمحُ أنصار الألفاظ، أن تَكِرَّ العِلَّةُ على ظاهر اللفظ بالتأثير، لا في طرْدها ولا في عكْسِها. والمغالُون منهم، كداودَ وابنِ حزمٍ، رحمهما الله، لا يعترفون بالعِلَّة ابتداءً، فضلا عن أن يُقِرُّوا لها بنوعِ تأثير.

ومن أمثلة ما يُؤثِّر فيه طَرْدُ العِلَّةِ في ظاهر اللَّفظ، اختِلافُهم في إجزاءِ حَلْقِ شَعْرِ الإبْطِ عن نَتْفِهِ المصرَّحِ به في الحديث: «الفِطْرة خمْس: الخِتان، والاستِحداد، وقصُّ الشارب، وتقليمُ الأظفار، ونتف الآباط» [1] ؛ وذلك لِحُصول العِلَّة بالحَلْق، وهي إزالة الشَّعْر لِغَرض النَّظَافة، بما يشبه حصولها بالنَّتْف. قال ابن دقيق العيد: «من نَظَرَ إلى اللَّفظ وَقَفَ مع النَّتْف، ومن نظر إلى المعنى أَجازَه بِكُلِّ مُزيل» [2] .

ومن أمثلة ما يؤثِّر فيه عَكْسُ العِلَّة في ظاهر اللفظ، اختِلافُهم في جواز الاقتِصار على أقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ في الاستنجاءِ الواردِ في قوله، صلى الله عليه وسلم: «لا يَسْتَنْجي أَحدُكم بدون ثلاثة أَحْجار» [3] ، وذلك فيما إذا تحقَّقَتْ عِلَّةُ الأمر بالاستنجاء، وهي إنْقَاءُ الْمَحَلّ، بما دُونَ الثَّلاثة أحجار. قال ابنُ رشد: «وسببُ اختِلافِهم في هذا تعارضُ المفهوم من هذه العبادة لظاهر اللَّفظ في الأحاديث التي ذُكِر فيها العَدد، وذلك أنَّ من كان المفهومُ عنده من الأمر بإزالة النَّجَاسة إزالةَ عينِها لم يشتَرِطِ العَدد أَصْلًا، وجعل العَددَ الوارد من ذلك في الاستِجْمار ... على سبيل

(1) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، كتاب اللباس، باب تقليم الأظافر، (7/ 160) ، رقم (5891) . ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، (1/ 221) ، رقم: (257) .

(2) فتح الباري لابن حجر: (10/ 344) .

(3) أخرجه مسلم من حديث سلمان الفارسي، رضي الله عنه، كتاب الطهارة، باب الاستطابة: (1/ 224) ، رقم: (262) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت