الصفحة 50 من 80

أحدهما: حُفَّاظ الحديث، وجهابذتُه، والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأئمة [1] معاقد الدين ومعاقله، وحَمَوا من التغيير والتكدير موارده ومناهله ...

القسم الثاني: فقهاء الإسلام، ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنوا بضبط قواعد الحلال والحرام» [2] .

وهذا التقسيم، وإن لم يكن مطابِقا تماما لتقسيم العلماء إلى اتجاهين: أهل الألفاظ والظواهر، وأهل المعاني والمقاصد، فالملاحظَ على أكثر حُفَّاظ الحديث والمشتغلين بالرواية غلبةُ اتِّباع اللفظ والظاهر والعمل بالجزئي دون موازنته مع الكلي عند التعارض، والملاحظ على أكثر أهل الفقه والنظر غلبة اتباع المعاني والمقاصد وميلهم إلى تقديم الكلِّي على الجزئي عند التعارض إذا تعذَّر الجمع بينهما.

وهذا التقسيم مأخوذٌ أصلا: من حديثه، صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمَثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّة، قَبِلت الماء، فأنبتتِ الكلأ والعُشْب الكثير، وكانت منها أجادِب، أمسكتِ الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى، إنما هي قِيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ من فقِه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به» [3] .

ومن حديثه، صلى الله عليه وسلم: «نضَّر الله عبدًا سَمِع مقالتي، فوعاها، ثم أدَّاها إلى من لم يسمعْها، فرُبَّ حامل فقهٍ لا فقه له، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه» [4] .

فيظهر في هذين الحديثين بجلاء انقسامُ أهل العلم إلى حَمَلَة آثارٍ وفقهاء.

(1) لعلها"الأمة"لا"الأئمة"، لكن ما أثبتناه هو ما في المطبوع.

(2) إعلام الموقعين لابن القيم: (1/ 7) .

(3) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلَّم، (1/ 27) ، رقم: (79) . ومسلم، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي، صلى الله عليه وسلم، من الهدى والعلم، (4/ 1787) ، رقم: (2282) .

(4) أخرجه أحمد (المسند: 27/ 318) وغيره، من حديث جبير بن مطعم. قال الأرناؤوط: «حديث صحيح، وهذا إسناد حسن» . وأخرجه الترمذي (السنن: 5/ 33) وغيره من حديث زيد بن ثابت. قال الترمذي: «وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وجبير بن مطعم، وأبي الدرداء، وأنس. حديث زيد بن ثابت حديث حسن» . وقال الألباني: صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت