أحدهما: نظرُ «مَنْ يجري مع مجرَّد الصيغة مجرى التعبُّد المحض من غير تعليل؛ فلا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمرٍ وأمر، ولا بين نهيٍ ونهي» [1] . وهذا نظرُ أصحاب الألفاظ.
والثاني: نظرٌ «مِنْ حيثُ يُفهم من الأوامر والنواهي قصدٌ شرعيٌّ بحسب الاستقراء، وما يقترن بها من القرائن الحالية أو المقالية الدالَّة على أعيان المصالح في المأمورات، والمفاسد في المنهيات» [2] . وهذا نظر أصحاب المعاني. وقد رجَّحه الشاطبي على النظر الأول. فقال بعد أن استدلَّ له بوجوهٍ نقلية وعقلية: «فإذا ثبت هذا وعَمِل العامل على مقتضى المفهوم من علَّة الأمر والنهي؛ فهو جارٍ على السَّنن القويم، موافقٌ لقصد الشارع في وِرْدِه وصَدْرِه» [3] .
وقال في كتاب الاجتهاد مُشيرا إلى ثُنائِيَّة المعنى واللفظ: «فأصحاب الرأي جرّدوا المعاني، فنظروا في الشريعة بها، واطَّرحوا خُصُوصِيَّات الألفاظ، والظَّاهريةُ جَرَّدوا مُقْتضيات الألفاظ، فنظروا في الشَّريعة بها، واطَّرحوا خُصوصيات المعاني القياسية» [4] . وقال: «وإن كانت المذاهب كلُّها طُرُقًا إلى الله، ولكنَّ الترجيح فيها لا بدَّ منه؛ لأنَّه أبعدُ من اتِّباع الهوى كما تقدم، وأقربُ إلى تحرِّي قصد الشارع في مسائل الاجتهاد؛ فقد قالوا في مذهب داود لَمَّا وقف مع الظاهر مطلقا: إنه بدعةٌ حدثت بعد المائتين، وقالوا في مذهب أصحاب الرأي: لا يكاد المغرق في القياس إلا يفارق السُّنة. فإن كان ثَمَّ رأيٌ بين هذين، فهو الأولى بالاتباع» [5] .
وممن أشار إلى قريب من هذا التقسيم أيضا ابن القيم، رحمه الله تعالى، حيث قسَّم علماء الأمة، بالنظر إلى تبليغ ألفاظ الشريعة أو معانيها إلى قسمين، فقال: «ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعارَ حزبه المفلحين، وأتباعِهِ من العالمين، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} (يوسف: 108) ، وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه، كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:
(1) المرجع السابق: (3/ 404) .
(2) المرجع السابق: (3/ 412) .
(3) المرجع السابق: (3/ 421) .
(4) المرجع السابق: (5/ 230) .
(5) المرجع السابق: (5/ 280) .