الصفحة 48 من 80

والواقع أنَّ هذا التقسيم ليس جديدا كما ظنَّ الإدريسي بل ذكره العلماء قديما وحديثا واستثمروه في عرض المناحي الفقهية في قضايا شتى. ومن الذين أشاروا إلى هذا الانقسام في النظر الفقهي وأحسنوا توظيفه الأصولي الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:

ففي نهاية كتاب المقاصد، حَصَر طرق معرفة مقصود الشارع في ثلاثةِ اتجاهات:

الأول: اتجاه الظاهرية، وهُم القائلون بأنَّ «مقصد الشارع غائبٌ عنا حتى يأتينا ما يعرفنا به، وليس ذلك إلا بالتصريح الكلامي مجرَّدا عن تتبُّع المعاني التي يقتضيها الاستقراء ولا تقتضيها الألفاظ بوضعها اللغوي» [1] .

والثاني: الاتجاه المقابل للظاهرية، وهو ضربان:

أحدهما: اتجاه الباطنية، وهُم القائلون بأنَّ «مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يُفهم منها، وإنما المقصود أمرٌ آخر وراءه، ويَطَّرِد هذا في جميع الشريعة، حتى لا يبقى في ظاهرها مُتمسَّك يمكن أن يلتمس منه معرفة مقاصد الشارع، وهذا رأي كلِّ قاصد لإبطال الشريعة» [2] .

والضرب الثاني: اتجاه المتعمِّقين في القياس، المقدِّمين له على النصوص، وهم القائلون بأنَّ «مقصود الشارع الالتفات إلى معاني الألفاظ، بحيث لا تُعتبر الظواهر والنصوص إلا بها على الإطلاق، فإن خالف النّصُّ المعنى النظريَّ اطُّرِح وقُدِّم المعنى النظري، وهو إمَّا بناء على وجوب مراعاة المصالح على الإطلاق، أو على عدم الوجوب، لكن مع تحكيم المعنى جِدًَّا حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعةً للمعاني النظرية» [3] .

والاتجاه الثالث: اتجاه العلماء الرَّاسخين، وهُم القائلون «باعتبار الأمرين [اللفظ والمعنى] جميعا، على وجه لا يُخِلُّ فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظامٍ واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض» [4] .

وفي كتاب الأوامر والنواهي حصر النظر في صريح الأمر والنهي في اتجاهين:

(1) الموافقات للشاطبي: (3/ 132) .

(2) المرجع السابق: (3/ 133) .

(3) المرجع السابق: (3/ 133) .

(4) المرجع السابق: (3/ 134) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت