الكاتبين في تاريخ الفقه. فالحديث في الكوفة لم يكن بأقلَّ منه في المدينة، والرأيُ في المدينة لم يكن بأقلَّ منه في الكوفة. ولكنَّ الرأيَ في الكوفة ـ كما قال الشيخ أبو زهرة ـ كان يعتمد على مِنهاج القياس، بينما الرأي في المدينة كان يعتمد على منهاج المصلحة [1] .
ثالثا: لا أتَّفِقُ مع الحميدان في إنكاره دور الشيوخ من الصحابة في تكوين الاتجاهات الفقهية في عهد التابعين. بل الشيوخ، في نظري، هم العامل الأكبر في اختلاف فقه أهل العراق عن فقه أهل الحجاز. فالمسائل الفقهية التي اختلف فيها أهل العراق مع أهل الحجاز مردُّها في الغالب ذهاب كل فريق إلى قول من استوطن بلدهم من الصَّحابة. ولا يكاد أهل العراق يخرجون عن أقوال ابن مسعود وأصحابه، وعلي بن أبي طالب وأصحابه. وأهل المدينة في الحجاز لا يكادون يخرجون عن أقضية الخلفاء في المدينة، وأقوال زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة، رضي الله عنهم. وأهل مكة لا يكادون يخرجون عن أقوال ابن عباس، رضي الله عنهما، وأصحابه.
هذا من حيثُ الأقوال الفقهية التي استقرت في كل بلد، أما من حيث التوجُّه نحو الرأي والتعليل أو اللفظ والظاهر، فالملاحظ أنَّ التابعين الذين أكثروا من الأخذ عن أصحاب المعاني من الصَّحابة كابن المسيب الذي كان أعلم الناس بقضايا عمر وعثمان وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم، وعروة الذي أكثر من الأخذ عن عائشة، رضي الله عنها، ومجاهد وغيره ممن أكثروا الأخذ عن ابن عباس، رضي الله عنهما، كانوا أميلَ إلى المعاني. أمَّا الذين أكثروا من الأخذ عن ابن عمر وأبي هريرة، رضي الله عنهم، كسالم والقاسم وابن سيرين فكانوا أميلَ إلى الألفاظ.
رابعا: أُؤَكِّد وجاهةَ دعوة الإدريسي إلى إعادة قراءة تاريخ الفقه وفقَ تقسيمٍ جديد، يُقسَّم فيه العلماء إلى اتجاهين: أهل ألفاظ وظواهر، وأهل معانٍ ومقاصد. وهذا ما جَهِدنا في عرضه في هذا البحث. مع الأخذ بعين الاعتبار أَنَّ أهل الألفاظ ليسوا على درجة واحدة في اتباع اللفظ، وكذلك أهل المعاني في اتباع المعنى، بل ثمة من يظهر غُلوُّه في اتباع اللفظ أو اتباع المعنى، ومنهم من يعتدل شأنه حتى يمكن عدُّه اتجاها ثالثا يجمع بين خصائص أهل الألفاظ وأهل المعاني.
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة: ص 248.