إبراهيم؛ وذلك لقلَّة ما سمع من حديث النبي، صلَّى الله عليه وسلم، ولا كان رجلٌ بالكوفة أحسنَ اتِّباعا ولا أحسن اقتداء من الشَّعبي؛ وذلك لكثرة ما سمع» [1] . وقال الجصَّاص: «ذَكَر إبراهيمُ النَّخعي أنَّ أصحاب عبد الله [بن مسعود] كانوا إذا ذُكر لهم حديث أبي هريرة في أمر المستيقظ من نومه يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، قالوا: إنَّ أبا هريرة كان مِهذارًا، فما يصنع بالمِهْراس [2] ؟ وقال الأشجعي لأبي هريرة: فما تصنع بالمِهْراس؟ فقال: أعوذ بالله من شرِّك» [3] . قال ابن عبد البر: «قال مالك في الذي قال لأبي هريرة: كيف بالمِهْراس؟ فقال مالك: أكره أن يُعارض مثلُ هذا من قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم» [4] .
ثانيا: أَتَّفِقُ أيضا مع من قال بأن البيئة والعامل الجغرافي (العراق والحجاز) لم يكن ذا شأن في تكوين الاتجاهات الفقهية، بخلاف ما تتابع عليه كثيرٌ من
(1) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى: 5/ 347) . وإسناده متَّصل رجاله موثوقون. وما ذكره حمَّاد من قِلَّة سماع إبراهيم فيه نظر، فإنه كان «واسع الرواية» كما قال الذهبي (السير: 4/ 521) . وروى ابن سعد (الطبقات: 6/ 271) بإسناد حسن عن الأعمش، قال: «ما ذكرتُ لإبراهيم حديثا قط إلا زادني فيه» . نعم الشعبي كان أوسع روايةً منه، لكنَّ إبراهيم كان أكثر تحفُّظا فيمن يروي عنهم. روى ابن سعد (الطبقات: 6/ 272) بإسناد حسن عن الحسن بن عبيد الله، قال: «قُلتُ لإبراهيم: ألا تحدثنا؟ فقال: تريد أن أكون مثل فلان [قلتُ: ربما يعني الشعبي] ائت مسجد الحي فإن جاء إنسان يسأل عن شيء فستَسْمَعُه» . ولذلك قال ابن معين (تاريخه: 4/ 14) : «مراسيلُ إبراهيمَ أحبُّ إلي من مراسيل الشعبي» .
(2) الْمِهْراس: هو الجُرْن، وهو صخرة مُجوَّرة تسع كثيرا من الماء. يُنظر جمهرة اللغة للجوهري (1/ 467) . ووجه الاعتراض بالمهراس على الحديث وضَّحهُ الجصَّاص (أحكام القرآن 3/ 360) بقوله: «والذي أنكره أصحابُ عبد الله من قول أبي هريرة اعتقادُه الإيجابَ فيه؛ لأنه كان معلوما أن المهراس الذي كان بالمدينة قد كان يُتوضأ منه في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعده، فلم ينكره أحد ولم يكن الوضوءُ منه إلا بإدخال اليد فيه فاستنكر أصحاب عبد الله اعتقادَ الوجوب فيه مع ظهور الاغتراف منه باليد من غير نكير من أحد منهم عليه، ولم يدفعوا عندنا روايته، وإنما أنكروا اعتقاد الوجوب» .
(3) أحكام القرآن للجصاص (3/ 359) . واعتراضُ الأشجعي - وهو تابعيٌ من أصحاب ابن مسعود (الإصابة: 5/ 424) - على أبي هريرة، أخرجه أحمد (المسند: 14/ 524) ، وأبو يعلى (المسند: 10/ 377) . ورجاله رجال الصَّحيح، وحسَّن إسناده الأرناؤوط وحسين سليم أسد. وقول النخعي عن أصحاب عبد الله، أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف: 1/ 94) ولفظه: «كان أصحاب عبد الله إذا ذُكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا: كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذي بالمدينة؟» . وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم.
(4) التمهيد لابن عبد البر: (18/ 260) .