ولم يره، ومات زمن الحجاج [1] . وعن صالح بن مسلم، قال: «كنتُ مع الشَّعبي ويدي في يده، أو يدُه في يدي، فانتهينا إلى المسجد، فإذا حمَّاد [بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة] في المسجد وحولَه أصحابُه ولهم ضوضاء وأصوات، قال: فقال: والله لقد بَغَّض إليَّ هؤلاء هذا المسجدَ حتى تركوه أبغضَ إليَّ من كُناسَة داري. معاشر الصَّعَافِقَة [2] ، فانصاع راجعًا ورجعنا» [3] ، «فقلتُ: مِمَّ يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الرائيون أصحاب الرأي، لَمَّا أعيتهم أحاديثُ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يحفظوها يجادلون» [4] . وعن سُفيان بن عيينة، قال: « ... أوَّلُ من تكلَّم بالرأي بالمدينة ربيعة، وبالكوفة أبو حنيفة، وبالبصرة البَتِّي ... » [5] . وعن الأعمش قال: «كان إبراهيم [أي النخعي] صيرفيًا في الحديث أجيئه بالحديث، قال: فكتب مما أخذتُه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: كانوا يتركون أشياءَ من أحاديثِ أبي هريرة» [6] . وعن الأعمش، قال: «ما رأيتُ أحدًا أَرَدَّ لحديثٍ لم يسمَعْهُ من إبراهيم» [7] . وعن حمَّاد بن زيد، وهو أحد أئمة الحديث الكبار، وذكروا له قول إبراهيم:"في الفأرة جزاءٌ إذا قتلها الْمُحْرِم"فقال حمَّاد: «ما كان بالكوفة رجلٌ أوحش بردِّ الآثار من
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد: (6/ 96) .
(2) قال ابن بطة (الإبانة الكبرى: 2/ 516) بعد أن روى الأثر: «الصَّعَافِقَة: هم الذين يَفِدون إلى الأسواق في زِيِّ التُّجار، ليس لهم رؤوسُ أموال، إنما رأس مال أحدهم الكلام، والعامَّة تُسَمِّي من كان هذا مُهَلِّسا» .
(3) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى: 6/ 251) . وصحَّحه آل زهوي في سلسلة الأثار الصحيحة (1/ 310) .
(4) أخرجها البيهقي (المدخل إلى السنن الكبرى: ص 191) . وصحَّحها آل زهوي في سلسلة الأثار الصحيحة (1/ 310) .
(5) أخرجه الفسوي (المعرفة والتاريخ: 3/ 21) عن الحميدي عن سفيان به. وهذا سند صحيح. ومقصود سفيان بالرأي هنا كثرةُ الاشتغال والشهرة به وتقديمه على الحديث، لا مطلق القول بمقتضاه، لأنَّ مطلق الرأي مرويٌ عن كبار الصَّحابة والتابعين، وهذا مما لا يخفى على سفيان. وعلى هذا فليس دقيقا ما قاله ابن حزم (الإحكام 6/ 56) : «هؤلاء النَّفر، غفر الله لنا ولهم، أَوَّلُ من فتح باب الرأي، وعوَّل عليه، واعتَرض بالقياس على حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم» .
(6) أخرجه أحمد (العلل: 1/ 428) عن أبي أسامة عن الأعمش عن إبراهيم. وهذا سندٌ صحيح على شرط البخاري ومسلم.
(7) ذكره الذهبي (سير أعلام النبلاء 4/ 528) قال: قال أبو داود: حدثنا ابن أبي السري، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، به. وابن أبي السّري صدوقٌ له أوهامٌ كثيرة، وابن بكير صدوقٌ يخطئ، كما قال ابن حجر. وهذا سَّند محتمِلٌ للتحسين.