والمذاهب الفقهية، وأن الاختلاف الواقع بينها مردُّه في الأساس إلى اختلاف منهج الترتيب في أصول الاستنباط من حيثُ التقديمُ والتأخير، ومنهجُ الترجيح بينها إذا اقترنت من حيثُ الاعتبار والإهدار [1] .
واقترح في نهاية مقاله تقسيما آخر لهذه المدارس والاتجاهات الفقهية قائلا: «الأصح أن نُقسِّم اتجاهات الفقه الإسلامي عامَّة، وفق رؤيةٍ أخرى، إلى اتجاهين اثنين: اتجاه مقاصدي ينفذ إلى روح النصوص ومعانيها، وفي ساحة هذا الاتجاه بالذات وعلى أرضه كان يجري التقسيم القديم الذي حاولنا مناقشته في هذه المقالة [أهل الرأي وأهل الحديث جميعا] . واتجاه آخر على العكس تمامًا إنَّما ينظر إلى ظواهر النصوص وألفاظها، ويقف عند ذلك لا يتعدَّاه، وهذا الاتجاه لا يقتصر على أهل الظاهر ممن يزعمون إنكار القياس، بل يشمل غيرهم ممن شأنُهم على خلاف منهج المدرسة الأولى. وعلى هذا الأساس يمكن إعادةُ قراءة تاريخ الفكر الفقهي في الإسلام، وتناول إشكالاته وقضاياه العِلْمية من هذه الزاوية» [2] .
ولا يتسع المقام هنا لمناقشة كل ما اشتملت عليه هذه الآراء من قضايا جزئية، وأكتفي بهذه الملاحظات على أهم مقرراتها:
أولا: إني وإن كنت أتَّفِق مع ما قيل إنَّ التقسيم الثُنائي للعلماء إلى"أهل رأي"و"أهل حديث"لم يظهر كاصطلاح في عهد التابعين، إلا أني أجده مما يجدر التنبيه عليه أنَّ بذور هذا الاصطلاح وأوائلَ ظهوره قد وُجدت في هذا العهد، وأنه قد تميَّزت فيه عن جُمْلةِ أهل العلم طائفةٌ منهم اتَّسموا بالإكثار من الرأي والقياس والتفريع، والمبالغة، أحيانا، في معارضة ظواهر أخبار الآحاد بالرأي. ومن هؤلاء إبراهيمُ النَّخَعي وصاحباه حمَّاد بن أبي سليمان والحَكَم بن عتيبة، وهُم في الكوفة، وربيعةُ بن أبي عبد الرحمن في المدينة، وعُثمان بن مسلم البَتِّي في البصرة. وقد اشتهر هؤلاءِ العلماء، نوعا ما، باسم"أهل الرأي"أو"أصحاب الرأي"أو"الأرأيتِيُّون".
عن الزِّبْرقان، قال: «نهاني أبو وائل أن أُجالس أصحاب أرأيت» [3] . وأبو وائل، واسمه شقيق بن سلمة، من كبار التابعين أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم،
(1) المرجع السابق: ص 152.
(2) المرجع السابق: ص 155.
(3) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى: 6/ 101) والدارمي، واللفظ له، (السنن: 1/ 282) قال محقق الدارمي حسين سليم أسد: إسناده صحيح.