الصفحة 53 من 80

قال الطُّوفي: «اعلم أنَّ أصحاب الرأي بحسب الإضافة هم كلُّ من تصرَّف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميع علماء الإسلام؛ لأن كل واحد من المجتهدين لا يستغني في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحه الذي لا نزاع في صحَّته. وأمَّا بحسب العَلَميَّة، فهو في عُرف السَّلف عَلَمٌ على أهل العراق، وهم أهل الكوفة، أبو حنيفة ومن تابعه منهم، وإنما سُمِّي هؤلاء أهل الرأي، لأنهم تركوا كثيرا من الأحاديث إلى الرأي والقياس: إما لعدم بلوغهم إيَّاه، أو لكونه على خلاف الكتاب، أو لكونه روايةَ غيرِ فقيه، أو قد أنكره راوي الأصل، أو لكونه خبر واحد فيما تعمُّ به البلوى، أو لكونه واردًا في الحدود والكفارات على أصلهم في ذلك، وبمقتضى هذه القواعد لزمهم ترك العمل بأحاديث كثيرة حتى خرَّج أحمد، رحمه الله تعالى، فيما ذكره الخلال في"جامِعِه"نحو مائة أو خمسمائة حديث صِحَاح خالفها أبو حنيفة» [1] .

وقال ابن رجب: «قاعدة: الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده، ولا متونه، ويُخطِئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفَّاظ في ألفاظه. وربما يأتون بألفاظ تشبه ألفاظ الفقهاء المتداولة بينهم» [2] . ومثَّل لهؤلاء الفقهاء وذَكَر منهم: «فقهاء الكوفة، ورأسُهم حمَّاد بن أبي سليمان، وأتباعُه [أبو حنيفة وأصحابه] . وكذلك الحَكَم بن عُتيبة. قال شعبة: كان حمَّاد بن أبي سليمان لا يحفظ. قال ابن أبي حاتم: كان الغالب عليه الفقه، ولم يُرزق حفظ الآثار. وقال شعبة ـ أيضًا ـ: كان حمَّاد ومغيرة أحفظَ من الحَكَم، يعني مع سوء حفظ حمَّاد للآثار كان أحفظَ من الحَكَم. وقال عثمان البتِّي: كان حماَّد إذا قال برأيه أصاب، وإذا قال:"قال إبراهيم"أخطأ. قال أبو حاتم الرازي: حمَّاد صدوق، لا يُحتج بحديثه، وهو مستقيمٌ في الفقه، فإذا جاء الآثار شَوَّش. وكان حمَّاد إذا سُئل

(1) شرح مختصر الروضة للطوفي: (3/ 289) . وكصنيع أحمدَ الكتابُ الذي عقده أبو بكر بن أبي شيبة في مصنَّفه (7/ 277) ، وعنونه بـ «كتاب الرد على أبي حنيفة. هذا ما خالف به أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم» . وأورد فيه 125 مسألة. وقد تعقَّبه بالردِّ على ذلك بعضُ الحنفية. وخلص عبد المجيد محمود (الاتجاهات الفقهية عند المحدثين: ص 575) بعد عرض تلك المسائل إلى أن ابن أبي شيبة لم يكن مصيبا في انتقاداته لأبي حنيفة في غالب تلك المسائل.

(2) شرح عِلَل الترمذي لابن رجب: (2/ 833) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت