الصفحة 54 من 80

عن شيء من الرأي سُرَّ به، فإذا سُئل عن الرواية ثقُلت عليه، وربَّما كان يُسأل عن شيء من حديث إبراهيم فيقول: قد طال العهد بإبراهيم. قال حمَّاد بن سلمة: كنتُ أسأل حمَّاد بن أبي سليمان عن أحاديث مُسندة، وكان الناس يسألونه عن رأيه، فكنت إذا جئتُ قال: لا جاء الله بك. قال حمَّاد بن زيد: قدم علينا حمَّاد البصرة، فجعل فتيان البصرة يسخرون به، فقال له رجل: ما تقول في رجلٍ وطئَ دجاجةً ميتة، فخرج منها بيضة؟ وقال له آخر: ما تقول في رجل طلَّق امرأته مِلءَ سُكُرُّجَة [إناءٌ يُؤكل فيه] ؟» [1] .

وقال ابن عبد البر: «أفرط أصحابُ الحديث في ذمِّ أبي حنيفة، رحمه الله، وتجاوزوا الحدَّ في ذلك. والسبب الموجِب لذلك عندهم إدخالُه الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صحَّ الأثر من جهة الإسناد بَطَلَ القياس والنَّظر، وكان ردُّه لما ردَّ من الأحاديث بتأويل محتمل، وكثيرٌ منه قد تقدَّمه إليه غيره، وتابعه عليه مثلُه ممن قال بالرأي، وجُلُّ ما يُوجد له من ذلك ما كان منه اتباعًا لأهل بلده كإبراهيم النَّخَعي وأصحاب ابن مسعود إلا أنه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابُه والجوابِ فيها برأيهم واستحسانهم، فيأتي منهم من ذلك خلافٌ كثيرٌ للسَّلف وشُنَعٌ هي عند مخالفيهم بِدَع. وما أعلمُ أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويلٌ في آية، أو مذهبٌ في سُنّة، ردَّ من أجل ذلك المذهب بسنَّة أخرى بتأويل سائغ، أو ادِّعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يُوجد لغيره قليلا» [2] .

ومما يدلُّ على هذا الذي قاله ابنُ عبد البر: ما قاله الأوزاعي: «إنّا لا ننقِم على أبي حنيفة الرأي، كلُّنا نرى، إنما ننقم عليه أنه يُذكر له الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيُفتي بخلافه» [3] ، وما قاله حمَّاد بن سلَمة: «إنَّ أبا حنيفة استقبل الآثار والسُّنن يردُّها برأيه» [4] ، وما قاله الشافعي في حديث الضَّحِك في الصلاة «لو ثبت عندنا الحديث بذلك لقلنا به. والذي يزعم أنَّ عليه الوضوء في القهقهة يزعم أنَّ القياس أن لا ينتقض، ولكنَّه يتَّبع الآثار، فلو كان يتبَّع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنَّه يردُّ منها الصَّحيح الموصول

(1) المرجع السابق.

(2) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (2/ 1080) .

(3) أخرجه عبد الله بن أحمد (السنة: 1/ 207) . وإسناده متصل رجاله ثقات رجال الصحيح.

(4) أخرجه أحمد (العلل: 2/ 545) . وفيه مُؤَمَّل بن إسماعيل، قال ابن حجر: صدوقٌ سيء الحفظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت