الصفحة 55 من 80

المعروف، ويقبل الضَّعيف المنقطع» [1] . وقال أيضا: «نظرتُ في كُتُبٍ لأصحاب أبي حنيفة، فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعدَدْتُ منها ثمانين ورقةً، خلاف الكتاب والسنَّة» [2] . وعن أبي سليمان الجوزجاني قال: «ما تكلَّم أبو حنيفة ولا أبو يوسف، ولا زُفَر، ولا محمَّد، ولا أحدٌ من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلَّم في القرآن بشرٌ الْمَرِيسِيّ، وابن أبي دُؤَاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة» [3] .

فإذا تقرَّر أنَّ ما ذكرنا من الأمور هي السَّبب الأساس في اختصاص أبي حنيفة، رحمه الله، وأصحابه، وأتباعِه، بمصطلح"أهل الرأي"، واشتهارهم به، تبيَّن لنا خطأ من جعل مصطلح"أهل الرأي"مرادِفًا للقول بتعليل النصوص، والالتفات إلى الحِكَم والمقاصد، والموازنة بين كلِّيات الشريعة وجزئياتها، ومصطلح"أهل الحديث"مرادفا لِتتبُّع ظواهر الألفاظ، مع الإعراض عن التعليل والتقصيد، وإغفال الكلِّيات عند إعمال الجزئيات. أي جَعْل مصطلح"أهل الرأي"مُرادِفا لمصطلح"أهل المعاني"ومصطلح"أهل الحديث"مرادفا لمصطلح"أهل الألفاظ". ويزداد الطِّين بِلَّةً حينما يُضاف البُعد الجغرافي إلى المصطلحات فيُقال بأنَّ أهل الكوفة كانوا"أهل رأي"، أي أصحاب مَعان، وأهل المدينة كانوا"أهل حديث"أي أصحاب ألفاظ.

قال الدَّهلوي مُنَبِّها «على مسائل ضلَّت في بواديها الأفهام وزلَّتِ الأقدام، وطغتِ الأقلام ...: منها أنّي وجدت أنَّ بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما: أهل الظاهر، وأهل الرأي، وأنَّ كلَّ من قاس، واستنبط فهو من أهل الرأي. كلا والله، بل ليس المراد بالرأي نفسَ الفهم والعقل، فإنَّ ذلك لا ينفكُّ من أحد من العلماء، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنَّةٍ أصلا، فانه لا ينتحله مسلمٌ البتة، ولا القدرة على الاستنباط والقياس، فإنَّ أحمد وإسحق، بل الشافعي أيضا، ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المراد من أهل الرأي قومٌ توجَّهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين، أو بين جمهورهم إلى التخريج على

(1) السنن الكبرى للبيهقي (1/ 230) عن الزعفراني عن الشافعي، ولم يذكر البيهقي سنده إلى الزعفراني.

(2) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم: ص 130. عن الربيع عنه. وإسناده صحيح.

(3) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (15/ 518) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت