الصفحة 64 من 80

مباشرة، لأنهم كانوا يعتمدون على كثير من فتاوى السَّلف وأقضيتهم التي تقوم على الاستحسان والذرائع.

والثالثة: قِلَّةُ اعتماده واعتباره لآثار الصحّابة والتابعين. وهذا خالف فيه جميع الاتجاهات الأخرى، وبدرجة أساس فقه المحدثين.

والذي يظهر لي في فقه الإمام الشافعي، رحمه الله، هو أنَّه نزَّاعٌ إلى الظَّاهر، مُقتَصِدٌ مُتردِّد في التعليل، جمع بين النَّزعة الظاهرية عند المحدِّثين، والنَّزعة الظاهرية عند أهل الرأي. ولذلك كان هذا الفقه مُقدِّمةً ومَحَطَّةً مهَّدتْ لبروز فقه داود بن علي، رحمه الله، زعيمِ أهل الظاهر، الذي كان شافعيا مُتَعصِّبا ثم تطوَّر ظاهريا متطرِّفا بعد قراءته كتاب الشافعي في إبطال الاستحسان [1] .

والحاصل بعد هذا أنَّ المالكية هم أوغَلُ الناس في المعاني، والشَّافعيةُ في الطَّرف المقابل، وبينهما الحنفية والحنابلة. وقد اتَّسم فقه الحنفية بنزوع فِطريٍّ نحو التعليل وتقصيد النصوص ومراعاة المعاني الكلّية القياسية حتى في العبادات، ومع هذا فمذهبُهم نزَّاعٌ إلى الظاهر فيما يتعلق بتفسير أقوال المكلفين وعقودهم. وأمَّا الحنابلة فَفِقهُهُم أثريٌ في الغالب، ولذلك كان مَشْحونا بالرأي والمعاني المنقولة، مع نزوعٍ ظاهري فيما لم يكن سبيلُه النَّقل.

ومما يجدر قوله هنا: إنَّ تصنيف أهل العلم إلى أهل لفظ وأهل معنى إنما هو بالنظر إلى الغالب، وإلا فلكل فريقٍ مسائلُ نحا فيها إلى ضدِّ ما هو الغالب عليه. وهذا موجود حتى في عصر السَّلف: فكم من مسألةٍ نحا فيها ابن عباس، رضي الله عنهما، إلى الظَّاهر لا سيَّما في مجال الميراث [2] . ولذلك تعلَّق الظَّاهرية بكثيرٍ من فتاواه في المواريث. وكذلك لابن عمر، رضي الله عنهما، تعليلاتٌ ورأيٌ في مسائل زاد فيها أحيانا على أهل المعاني [3] . ولم يُعرف الخُلُوص والتَّمَحُّضُ في التزام الظاهر والاطِّرادُ في ذلك مع الغلوّ إلا على يد داود بن علي، رحمه الله، وأتباعه.

(1) أَرسلتُ الكلام هنا عن فقه الإمام الشافعي، رحمه الله، دون توسُّع وتوثيق وبيِّنات تدعم ما فيه من نَظَريَّات. وما ذلك إلا لأنّ هذا سيكون، إن شاء الله تعالى، موضوعا لبحث مستقلٍّ ـ قد فرغتُ من جمع مادَّته ـ عن فقه الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، ومنزلته بين أصحاب الألفاظ وأصحاب المعاني.

(2) يُنظر: فقهاء الصحابة المكثرون من الفتوى ومناهجهم الاجتهادية لحميدان عبد الله الحميدان، مجلة جامعة أم القرى، العدد 6، ص 34.

(3) يُنظر: المرجع السابق، ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت