ولما خفَّت حِدَّةُ التقليد فيما يُسمَّى في تاريخ الفقه بـ"العصر الحديث"، لأسبابٍ ليس هذا مجالَ الخوض فيها، بدأت تظهر بوضوح منازعُ العلماء المعاصرين في اجتهاداتهم واختياراتهم الفقهية.
وفي كتابه"الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر"، قَسَّم الشيخ القرضاوي، حفظه الله، اتجاهات الاجتهاد المعاصر ومدارسه إلى ثلاثة اتجاهاتٍ أساسية [1] :
الاتجاه الأول: اتِّجاه التضييق والتشديد.
وهذا تمثِّله مدرستان:
أ. المدرسة المذهبية. وهي «التي لاتزال تُؤمِنُ باتباع مذهب معيَّن لا يجوز الخروج عنه ... وهؤلاء إذا سُئلوا عن معاملة جديدة لا بد أن يبحثوا لها عن نظير في كتب المذهب أو المذاهب المتبوعة، فإذا لم يجدوا لها نظيرا أَفتَوا بمنعها» [2] .
ب. الظَّاهرية الحديثة. وهي «المدرسة النَّصِّية الحرفية وهم الذين أسميتُهم الظاهرية الجدد. وجلُّهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرَّسوا بالفقه وأصوله، ولم يعلِّلوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يكادون يهتمُّون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام، ورعاية المصالح، وتغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان والحال» [3] . وضَرَب أمثلةً لاجتهادات هؤلاء، كتحريم التصوير بكافة أنواعه، وتحريم الذهب المحلَّق على النساء دون سواه، وإسقاط الزكاة عن عروض التجارة، وحصر النُّقود الشَّرعية في الذهب والفضَّة فحسب، وعليه لا يجري الربا عندهم في النقود الوَرَقية ولا تجب فيها الزكاة [4] .
الاتجاه الثاني: اتِّجاه الغلوّ في التوسُّع:
ويمثِّل هذا الاتجاه مدرستان:
أ. المدرسة الطوفية. وهي «مدرسة إعلاء المصلحة على النَّص ... نِسبةً إلى نجم الدين الطُّوفي صاحب الرأي المشهور في تقديم المصلحة على النص إذا
(1) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للقرضاوي: ص 174.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) المرجع السابق.