وكمن قنع بالفهم من قوله، تعالى، في قصة ضيف إبراهيم، عليه السلام: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ} [الذاريات (25) ] بحصول التحية من الملائكة لإبراهيم، عليه السلام، والعكس. ولم يلتفت، أو لم يرد أن يكلف نفسه عناء الالتفات، إلى سبب عدول الباري، سبحانه وتعالى، إلى حركة الرفع (( ٌ ) )في تحية إبراهيم (( سلامٌ ) )، بدلا من النصب (( ً ) )الذي سبق في تحية الملائكة (( سلامًا ) )، وذلك (( لقصد إفادة الجملة الاسمية للدوام والثبات بخلاف الفعلية، فإنها لمجرد التجدد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة ) ) [1] .
وهو النمط الذي يبغي فيه صاحبه الوصول إلى المعنى المقصود من الخطاب. المقصودُ فحسب، سواء أكان مقصودا أصليا أم تبعيا. وسواءٌ كذلك، أدل عليه الخطاب نطقا أم لزوما. فالعبرة عنده إنما هي بـ (( القصد البياني ) ). أي بما قصد المتكلم الإفصاح عنه أو بيانه من خلال خطابه. وعليه لا يحتفل (( البياني ) )بالمعنى اللازم غير المقصود لذهول المتكلم، بحسب العادة، عنه. ومثال (( البياني ) )من يدرك مما مضى من قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل
(1) الشوكاني: محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ج 5، ص 87. وانظر: الألوسي: شهاب الدين محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر، بيروت، 1408 ه، ج 14، ص 11.