الصفحة 29 من 49

ومن أمثلته من يستمع لخطاب ما لقصد الطرب فهو في كثير من الأحيان غافلٌ عن المعنى متطلع إلى شيء آخر وهو الحصول على نشوة الطرب الناشئة عن صوت المتكلم وإيقاع الكلام، ولذلك يستمع كثير من الناس إلى أغان تقال بلغة لا يفهمونها لا لشيء إلا لما قلناه من قصد الحصول على الطرب.

ومن أمثلته أيضا من يستمع للخطاب الديني بقصد حصول الثواب مع كونه فاقدا للقدرة على فهمه، كالأعجمي الذي يستمع للقرآن الكريم وهو لا يفهم العربية، فهو يتعبد بذلك ولا يقصد الحصول على أي معنى لأنه فاقد لوسيلة الفهم وهي اللسان العربي.

وإذا كان هذا النمط من التلقي ـ أقصِدُ تلقِّي (( غير المهتم ) )ـ بنوعيه يقع في قاع السُّلَّم بالنسبة لباقي الأنماط الأخرى، التي سيأتي بيانها، فإنه، في الوقت نفسِه، يقع في رأس السُّلم بالنسبة لأنماط أخرى من التَّعامل ـ ولا أقول التلقي ـ مع الخطاب، لاسيما الخطاب الديني (=النص) . وذلك كـ (( التولي ) )، أو (( الإعراض ) )، أو (( لي الرأس ) )، أو (( النبذ وراء الظهر ) )، أو (( الهجر ) )، أو (( استغشاء الثياب ) )، أو (( جعل الأصابع أو الكرسف في الآذان ) )... وغير ذلك من أنماط التعامل التي تعاملت بها الأقوام التي كذبت رسلها مع خطاب هؤلاء الرسل.

نمط التلقي الثاني: تلقي(( المُغْرِض )):

وهو النمط الذي يبغي فيه صاحبه الوصولَ إلى معنىً لا يؤديه الخطاب ـ وإن كان قد يحتمله لغةً احتمالا بعيدا ـ يريده منه لسبب أو لآخر. فـ (( المغرض ) )هو ذاك الذي يريد أن يُوظِّف الخطاب توظيفًا يَتَمَشَّى وهواه بحمله على ما يريده هو لا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت