الصفحة 32 من 49

ومنشأ عدم الدِّقَّة في هذا الاعتراض هو افتراضه أن القسمة إنما هي بحسب نتيجة التلقي لا بحسب الباعث عليه. وشتان ما بين الباعث السابق والناتج اللاحق.

نمط التلقي الثالث: تلقي(( المقْتَصِد )):

وهو النمط الذي يبغي فيه صاحبه الوصولَ إلى المقصود القريب للمتكلم، ولا يبغي ـ ربما بحكم قدراته المحدودة ـ أن يكلِّف نفسَه عناء الوصول إلى المقصود أو المقاصد الأبعد، والتي قد تكون خفية أو بعيدة بعض الشيء. فهو يقنع بما يدل عليه الخطاب بعبارته أو بظاهره أو بلوازمه المقصودة القريبة:

كمن قنع بالفهم من قوله، تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران (146) ] بأنه: كم من نبي قاتل معه رجال كُثُر فأصيبوا نتيجةَ القتال، لكنَّ ذلك لم يَفتُتْ في عزيمتهم، أو يضعِفْ من معنويتهم. فهذا معنى ظاهر مقصود، لكنْ ثمة معنى يستتر وراءه ـ ربما ترقى إليه هذا (( المقتصد ) )ـ مقصودٌ أكثر منه وهو إرادته، سبحانه وتعالى، تثبيت قلوب من أصيبوا في أُحُد ـ وقد نزلت الآية عقيبها ـ وتصبيرهم، والشد على أيديهم، وتحذيرهم من التراخي والضعف، وذلك عن طريق ضرب المثل فيمن خلا من الأنبياء وأصحابهم. فهذا معنى لازم قريب يدل عليه السياق وسبب النزول. وثمة معنى أبعد ـ قد لا يرقى إليه (( المقتصد ) )ـ وهو أنَّ على المؤمنين جميعا، لا الصحابة فقط، أن لا تهزَّهم المصائب ولا تنالَ منهم المحن ـ كل المصائب، وكل المحن لا مصيبة أُحُد أو محنتها فحسب ـ فيضعفوا ويستكينوا، بل عليهم أن يَصبروا ويحتسبوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت