أحدهما: إخبار المتكلمِ المخاطَبَ عن وجود الأفعى، وهو معنى مقصود بالقصد الثاني أو بالتبع، لأنه أراد أن يُمَهِّد به أو أن يتَّكِئَ عليه للوصول إلى:
المعنى الثاني ـ المقصود بالقصد الأول أو بالأصل ـ: وهو إرادة تحذير المخاطَب من هذه الأفعى أو فراره منها أو قتله إياها.
فإن قيل: فكيف يكون هذا المعنى، وهو إرادة الحذر أو الفرار أو القتل، مقصودا بالقصد الأول مع أن المتكلم لم يَذْكُر لفظةً واحدة تعبِّرُ عنه، وفي الوقت نفسه، يكون معنى الإخبار عن وجود الأفعى، وهو المعنى الوحيد المصرح به جزئيا، مقصودًا بالقصد الثاني؟
فالجواب: هو أنا لا ننظر عند تحديد المعنى المقصود من الكلام أصالة إلى ما توفِّره ظواهر ألفاظ الخطاب من معنى فحسب، بل نضع الكلام في سياقه وحاله وظرفه الذي قيل فيه ـ فكم من وضْعٍ يكون لسان الحال فيه أبلغَ من لسان المقال ـ ثم نستدل بمجموع ذلك على المعنى المقصود الذي قد يكون مصرَّحًا به في الخطاب أو غير مصرح به، أي محذوف أو لازم دل عليه السياق أو الحال [1] . واعتبِر ذلك بما قاله
(1) يلجأ المتكلم إلى حذف ـ أو عدم التصريح ـ بالمعنى المقصود لأسباب كثيرة، لعل من أهمها إرادة التعميم كما هو حاصل في المثال الوارد ـ أفعى. أفعى ـ حيث يمكن للمتلقي أن يفهم معنى التحذير أو الفرار أو القتل أو الانتباه أو عدم الحركة ... الخ. وكما في قول القائل: الحريق ... الحريق، أي فباشروا في إطفائه أو اهربوا منه أو أنقذوا من تعرض له أو بلغوا عمال الإطفاء بحدوثه ... الخ. ومن الأسباب الأخرى الاقتصاد في الألفاظ لأن الموقف يستدعي السرعة كما في المثالين السابقين. ومنها التلطف بالمخاطب، ومثاله العبارة المشهورة التي يدرجها كثير من الناس، في بلدنا، آخر دعوات الأفراح: (( نوما هنيئا لأطفالكم ) )يقصدون بذلك حث المدعو على عدم إحضار أطفاله. ومن أسباب عدم التصريح، أيضا، ما يكسبه الغموض للكلام من جمال بلاغي كما في الكنايات كقولهم: كثير الرماد، وجبان الكلب، كناية عن الكرم. وكقولهم: نؤوم الضحى كناية عن الدعة والنعمة. وكقولهم: بعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.