الصفحة 30 من 49

ما يريده المتكلم منشئ الخطاب. ومن هنا تجده لا يتحفظ عن بتر الخطاب عن سياقه وظرفه اللذين قيل فيهما، ووضعه في سياق وظرف آخرين، لِيحمِّلَه ما لا يحتمل، ولِيقوِّلَه ما لا يقول. وهو النمط الذي يُعَبَّر عن مضمونه كثيرا بِ (( لَيِّ أعناق النصوص ) ). وهو ما قال فيه تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء (46) ] . قال ابن كثير: (( أي يتأولونه على غير تأويله، ويفسِّرونه بغير مراد الله عز وجل، قصدا منهم وافتراء ) ) [1] . وقال، تعالى، فيه أيضا: {فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران (7) ] أي: (( فيتّبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرفه في وجوه التأويلات، باحتماله المعاني المختلفة، إرادةَ اللبس على نفسه، وعلى غيره، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه ) ) [2] . ولعل من أصدق الأمثلة التاريخية على نقد مثل هذا التلقي (( المغرِض ) )للخطاب قولُ علي، رضي الله تعالى عنه، في قول الخوارج: (( لا حكم إلا لله ) ): إنها (( كلمة حق أُريد بها باطل ) ) [3] .

ومما تنبغي الإشارة إليه هو أن (( المُغْرض ) )هو مِنْ أولئك الذين وقفوا ابتداءً، بشكل أو بآخر، على المعنى الصحيح للخطاب، سواء أكان هذا المعنى الصحيح يمثِّل المقصودَ كلَّه

(1) ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1401 ه‍، ج 1،ص 508.

(2) الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير، تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت، 1405 ه‍، ج 3، ص 180.

(3) مسلم، الصحيح، (1774) ، ترقيم الشركة العالمية، صخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت