ومثل هذا النمط هو الذي يستخدمه، إلى حد ما، الشّراح والمفسرون، لأن غايتهم هي الوصول إلى كل المعاني التي يمكن للخطاب، موضع الشرح، أن يؤديها بغض النظر عن نوعها، سواء أكانت لغوية أو عقدية أو تاريخية أو فقهية أو خلقية أو وجدانية ... الخ، وبغض النظر كذلك عن كيفية دلالة الخطاب عليها، أي بغض النظر عما إذا كانت هذه المعاني مقصودة أم لازمة غير مقصودة.
و (( المتدبر ) )في اصطلاحنا ـ إذا نسبناه إلى النص الشرعي ـ كان يقابل ويرادف (( الفقيه ) )بالاصطلاح السلفي القديم الواقع في عُرْف الشارع والقرون المفضَّلة الأولى، لا الفقيه بالاصطلاح الدارج الذي يشير إلى متلقي النص بقصد استنباط الحكم الشرعي العملي. والفرق بين الاصطلاحين ـ الفقيه قديما والفقيه فيما بعد ـ هو فرق ما بين العام والخاص: العام الذي يريد الوصول إلى معنى النص أيا كان، سواء أتعلق به حكم عملي أم لا، والخاص الذي لا يحتفل إلا بالمعاني التي تفيد الأحكام العملية. قال الحليمي: (( إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح [أي: فقه الفروع] حادث. والحق أن اسم الفقه يعمُّ جميع الشريعة ) ) [1] .
(1) نقله عنه: الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 23. هذا، وقد كان الفقه قبل الإسلام يعني الفهم مطلقا، وقد كان الشعراء يُسمَّوْن بالفقهاء لكثرة تفطنهم للمعاني الخفية في الكلام، ثم تطورت دلالته بمجيء الإسلام فصار يُطلق في لسان الشارع وفي العرف بإطلاقين: أحدهما السابق نفسه وهو الفهم. وتشهد له مجموعة من النصوص، سيأتي بعضها في المتن قريبا. والإطلاق الثاني: الفقه في الدين خاصة. وأصل الدين الكتاب والسنة. والذي أراه، والله أعلم، في سبب تطور اللفظ بمفهومه العام إلى هذا المعنى الخاص أن إضافة الفقه ـ الذي يعنى الفهم ـ إلى الدين، صارت تكثر رويدا رويدا بقدوم الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة/122] ، وقوله، صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) )البخاري: (69) ، وقوله: (( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) )البخاري: (140) ، فاشتهر الارتباط بينهما: أي الفقه والدين. ثم بمضي الوقت ـ وبحسب قانون الاقتصاد في الألفاظ (=الاختصار) الذي يحكم عملية التطور اللغوي ـ استغنى الناس عن إضافة الفقه إلى الدين، تعويلا على شهرة الارتباط ليصبح لفظ الفقه وحده، من غير إضافة، دالا على هذه الإضافة. ومما يدل على هذا التطور قوله، صلى الله عليه وسلم،: (( تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا ) )البخاري: (3234) ، وقوله: (( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) )الترمذي: (2580) ، وأبو داود: (3175) ، وأحمد: (20608) . وقال الترمذي: حديث حسن. ثم تطورت دلالة الفقه مرة أخرى في عصر التدوين أو بعده ليدل على فقه الفروع العملية فحسب. وعليه، تكون دلالة الفقه بمعنى الفهم تعرضت لتخصيصين متتاليين: الأول بنصوص الشريعة ككل (=الدين) ، والثاني بالنصوص الدالة على الأحكام العملية فحسب. قال ابن الأثير: (( الفقه في الأصل: الفهم , واشتقاقه من الشَّق والفتح. يقْال: فَقِهَ الرجُل ـ بالكسر ـ يفْقَه فِقْهًَا: إذا فهم وعلم. وفَقُهَ ـ بالضم ـ يفقه: إذا صار فقيها عالما. وقد جعله العرف: 1.خاصا بعلم الشريعة , 2.وتخصيصا بعلم الفروع منه ) ). ابن الأثير، النهاية، ج 3، ص 465. وانظر: الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الفكر، بيروت ط 2، 1419 ه=1989 م، ج 1، ص 44.